• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .
              • القسم الفرعي : علماء .
                    • الموضوع : العارف الشيخ محمد تقي بهجت .
                          • رقم العدد : العدد الأربعون .

العارف الشيخ محمد تقي بهجت

علماء قدوة ... ومواقف رسالية للعلماء

إعداد هيئة التحرير

تاريخ العلماء حافل بالقصص والمآثر والعبر .. وقصص العلماء زاخرة بالأخلاق والمثل العليا التي تنمّ عن عمق الايمان والثقة بالله والاحساس بالمسؤولية، وهذه المواقف من هؤلاء العظماء في علمهم وعملهم لا بد من الوقوف عندها لأخذ العبر والاقتداء.

 

العارف الشيخ محمد تقي بهجت والزهد في العيش والبساطة

إن أولياء الله لا ينظرون إلى مظاهر الدنيا كما ينظر إليها الناس العاديون، بل ينظرون إلى حقيقة الدنيا، فهم لا يشغلون أنفسهم إلا بضمان مستقبلهم الحقيقي ويبتعدون دائما عن قيود المطامع، ويعيشون في صفو القناعة والتواضع.

والشيخ آية الله بهجت أدرك حقيقة الدنيا وباطنها، وانجذب بكل وجوده إلى عالم المعنى، فلم تشوبه المادة، بل تحرر من جميع قيودها. إنه لم يبتعد عن الدنيا ومظاهرها فكريا فحسب، بل خطى في هذا الطريق خطوات عملية واسعة في شتى مجالات حياته اليومية، فحياته البسيطة وإقامته في بيت قديم وصغير في مدينة قم المقدسة، وعدم استجابته لمطالب العلماء والناس المستمرة التي تطالب بتبديل بيته، هو خير دليل على زهده وتواضعه وعظمة روحه.

يقول الشيخ المصباح اليزدي مشيراً إلى زهده وتواضعه: "كان آية الله بهجت قد استأجر بيتا في جوار مدرسة (الحجتية)، ثم استأجر بيتا صغيرا في بداية شارع (چهار مردان)، ولم يكن في ذلك البيت أكثر من غرفتين، فكان يسدل ستارا وسط الغرفة التي كنا نحضر فيها، وكانت عائلته تعيش وراء ذلك الستار وكنا نحضر الدرس في الجانب الآخر، إنها حياة بسيطة بعيدة عن التكلف والترف ومفعمة بالنور والمعنوية.

ولم يتغير بيته بعد مرجعيته رغم أنه لا يسع لاستقبال الزائرين والمراجعين الذين يزداد عددهم يوماً بعد يوم. لذا يجلس الشيخ في أيام الأعياد والأعزية في مسجد (فاطمية) لاستقبال الناس.

 

الشهيد مطهري ولذة التهجد والعبادة 

يقول الشهيد مطهري رحمه الله: "نحن نمتلك مجموعة من اللذائذ المعنوية التي ترفع من مستوى معنوياتنا. وهي عند أصحاب صلاة الليل والمتهجدين حالة تجعلهم من جملة الصادقين والصابرين والمستغفرين بالأسحار، وصلاة الليل لذة وبهجة... لقد شاهدنا هكذا أشخاص فوجدناهم لا يهتمون باللذائذ المادية .

والذي يرغب في الحصول على هذا النوع من اللذائذ فلا مجال أمامه سوى التقليل من اللذائذ المادية ليتمكن من الوصول إلى تلك اللذائذ المعنوية العميقة.

وكان الشيخ الشهيد مطهري رحمه الله يتحلى شخصياً بهذه الروح العظيمة، وكان غارقاً في تلك اللذائذ المعنوية حيث كانت صلاته في الليل تؤثر على الآخرين. يقول الإمام الخامنئي دام ظله في هذا الخصوص: "كان المرحوم مطهري رحمه الله من أهل العبادة وأهل التزكية والأخلاق والروح. لا أنساه عندما كان يأتي إلى مشهد، كان يتردد إلى منزلنا، أو إلى منزل أقارب زوجته. في الليالي التي كان يأتي فيها إلينا كان ينهض وسط الليل للتهجد والعبادة .

كان يصلي صلاة الليل ويبكي بحيث كانت مناجاته وبكاؤه توقظ النائمين... نعم كان يصلي منتصف الليل وكان بكاؤه يسمع في الغرف المجاورة وكان كل ليلة يقرأ القرآن إما أثناء وجوده في السرير أو قبل ذلك.

يتحدث حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد باقر حجتي في إحدى ذكرياته عن الحالات المعنوية للأستاذ مطهري ويقول: "دخلت المسجد في يوم من الأيام فوجدت الأستاذ مطهري رحمه الله في حالة إقامة الصلاة وكان الجو حاراً. كان شديد التركيز في صلاته بحيث لم يلتفت إلى دخولي. كان يصلي بتوجه وخضوع خاص بحيث جعلتني حالته هذه مشدوداً إليه. وبدل أن اقتدى به وجدت نفسي أنظر إليه. انتهى من الصلاة وعقب بالأدعية والتسبيحات، أما الحال والوضع الذي كنت أشاهده من الخلف فلا يوصف. وكأن القيامة وأحوالها قد وضعت..."

كلا لتلف أوقات العمر الثمينة فيما لا نفع فيه للدنيا والآخرة

الشيخ آغا بزرك الطهراني

نقل آية الله نجومي الكرمانشاهي الذي كان كثير الحضور عند المحقق الخبير آية الله الشيخ آغا بزرك الطهراني صاحب موسوعة الذريعة والمؤلفات الاخرى الكثيرة ، انه كنتُ ذات يوم جالساً معه في مكتبته وهو متعمّق في مطالعاته وكتابة ملاحظاته التي يريدها في تأليفه ودراسته العلمية والتاريخية ، فدخل شخص وقطع على الشيخ شريط افكاره بكلمات لاتنفع الدنيا ولا الآخرة ، واطال الجلوس الى ما يقارب ساعة وهو كذلك ، وبينما كان الشيخ متورّطاً معه وكنتُ أنا منصرفاً الى عملي في المكتبة قام الرجل وخرج ، فضرب الشيخ على فخذه وقال بحسرة و تألم : انظر كيف يتلفون أوقات عمرهم فيما لايعنيهم ولايعود اليهم بالنفع الدنيوي ولا الأخروي

الامام علي (عليه السلام) : « شيئان لايعرف فضلهما الا مَن فقدهما الشباب والعافية

هذا ولقد كان الشيخ الطهراني اَنذاك يناهز عمره التسعين سنة وهو ضعيف البنية منهوك الطاقة ، ورغم ذلك كان مكبّاً على القراءة و التأليف وحريصاً على دقائق عمره الشريف وفي الحديث عن علي (عليه السلام) : « إنّ عمرك مهر سعادتك إنْ انفدته في طاعة ربك »

 

حدود الحريّة وضَرورة الأخلاق

يذكر السيد محمد علي الرّباني (دام توفيقه)، ما كان عليه السيد  علي السيستاني من أخلاق كريمة بداية شبابه والتي كانت قاعدة انطلاقته وتوفيقاته، يقول: إنّ طالباً قد حضر درس استاذنا السيستاني يوماً وأجرى معه نقاشاً حامياً حول مسألة علمية، فصدرت عنه تجاه سماحة السيد إساءة أدب أثناء الرّد والنقد، وكان الطالب يحاول الاستنصار لرأي المرجع الأعلى زعيم الحوزة العلمية السيد الخوئي (قدس سره) مقابل رأي السيد الأستاذ ولكن دون حجّة منطقية، وهو أمر في أصله جميل إلّا أن طريقة التلميذ المناقش للسيد السيستاني كانت لا تمت إلى الأخلاق والاحترام بصلة ممّا جعل السيد يتألّم كثيراً، وبعدما خرجتُ برفقته من محلّ الدرس ذكر لي السيّد انه: لمّا كنت في الثامن عشرة من العمر أنهيتُ دراسة الفلسفة بفهم دقيق لمفاهيمها المعَّقدة حتى أُصبتُ بعض الأحيان بشيء من العُجْب والغرور، وكنت لذلك معجباً بالفلاسفة ومشدوداً إلى أفكارهم، ومع هذا حضرتُ في حوزة مشهد المقدسة دروس آية الله العظمى الشيخ الحاج ميرزا مهدي الاصفهاني (قدس سره) وكان ناقداً للفلسفة وشديداً على الفلاسفة، ولا زال صوته يدوي في اُذني حيث كان يخطب فينا وهو يهاجم أنصار علم الفلسفة، ولكني رغم ذلك لم اُناقشه بإساءة أدب فأستنصر لفلاسفة كنت اُؤيّدهم واستمر حضوري لدروسه حتى اقنعني تدريجياَ بإعادة النظر في التأييد المطلق لعلم الفلسفة. فصرت محايداً في الأمر لا مؤيداً ولا مندِّداً، وهناك اكتشفت فائدة التواضع والأدب وضرر العُجب والغرور.

 

الذي رزقني ليومي هذا سيرزقني لغد

وقد جسد لنا الشهيد محمد باقر الصدر(قده) في أخلاقه أخلاق القرآن وأخلاق أهل البيت(عليهم السلام)  وتجلّى ذلك في زهده  حيث كانت حياة الشهيد الذاتية والعائلية عبارة عن حياة التقشف والاكتفاء بما يكتفي به أدنى الناس في المجتمع، سواء في السكن أو المأكل أو الملبس أو الشؤون الأقتصادية الأخرى.

عزف الشهيد المرجع عن الدنيا مواساة للضعفاء والفقراء والبائسين، إنطلاقاً من موقعه القيادي في الأمة والمجتمع ليكون لهم على الدوام ظهيرا . وكان يُعلم أفراد أسرته كيف يعيشون وهم في موقع المسؤولية والقيادة ليكون الحرمان والمعاناة عن وعي وفي مرضاة الله تعالى. ومن الشواهد :

أـ ما ذكره السيد عبد الرحيم الشوكي يقول: «بعثتُ أحد الأشخاص الى السيد الشهيد الصدر (قده) عندما كنتُ وكيله وأعطيتُ له بعضاً من الأموال ليدفعها الى السيد، ففعل غير أن السيد أرجعها إليه ثانية بعد أن رفع منها ديناراً واحداً، فتعجب هذا الشخص فسأله عن عدم قبوله للمال فأجابه: فرقوه على من تعرفون من الطلاب المعوزين، فقال له: فلِم رفعتَ منه ديناراً فقط، فقال: هذا هو ما يكفيني ليومي وان الذي رزقني ليومي هذا سيرزقني لغد).

ب ـ… بعد جريمة إعدام الشهداء الخمسة، حيث أُصيب بخدر شديد في رجله أعجزه عن الحركة عدة أيام، فلما أراد الإستحمام طلب مني مساعدته، فلما دخل الحمام رأيت ما نُسميه «الفانيلة» وفيها اكثر من مزق، فقلتُ له: سيدي هذه «الفانيلة» ممزقة، فهل أشتري لكم غيرها؟ فقال: كلا: هذه لايراها أحد، ولقد رأيته مراراً يصلح ملابسه بنفسه.

 مناقبه جعلته يرفض الوظيفة والشقة الفخمة، وبقي قانعاً بزراعة الأرض

كان العلامة الشيخ حسين أسعد بزي العاملي (1290 ه_ 1343ه)، يسكن (بنت جبيل) في جبل عامل، قائماً بالوظائف الدينية ومصلحاً بين الناس، سواء ما هو متعلق بإصلاح ذات البين، أو التصدي لحل الخصومات، وكان الناس يرجعون إليه في خلافاتهم من مختلف القرى والمناطق.

وقد دفع رحمه الله (ثمناً باهظاً) من مكتبته الثمينة ونتاجه العلمي، في حملة (نيجر) على بنت جبيل، وخسارته كانت كبيرة لا تعوّض بثمن. وعندما زار الكولونيل الفرنسي (بنت جبيل)، التقى بالشيخ بزي، ولم يكن من الشيخ حسين إلاّ أن شنّ هجوماَ على السياسة الفرنسية، وعلى حضارتها، قائلاً له: "ما الذي جنيتم من هذا العدوان، سوى الإضرار بالناس وبممتلكاتها، ومنها مكتبتي التي تحوّلت إلى أوراق محترقة، وأنتم تدّعون أنكم جئتم لمساعدة الناس وإرساء الحضارة، فهل هذه هي حضارتكم؟"

التفت الكولونيل إلى الشيخ حسين بزي، وقال له: "دعني من هذا الكلام، أنا جئتك بموضوع آخر وأهم، فهناك منصب رئيس المحاكم الجعفرية ومعه شقة فخمة وسيارة جديدة، ومرتّب شهري لائق بجنابك، وعليك أن تترك بنت جبيل والمعاناة هنا وتذهب إلى بيروت.

كان من الممكن أن ينطلي هذا العرض على الشيخ حسين، والشيطان يزيّن له أهمية هذا الموقع الذي يستحقه هو أساساً، لما فيه المصلحة العامة للناس، إلاّ أنه كان يعلم رحمه الله، أنّ الفرنسيين لا يبحثون عن مصلحة الناس ولا عن تحقيق العدالة، ولا عن الفقهاء القادرين على التصدي لهذه المواقع وإنّما يبحثون عن مصالحهم والتغطية على جرائمهم التي ارتكبوها بحق أهالي جبل عامل.

وفي نهاية الحوار معهم قال لهم الشيخ حسين: "لست بحاجة إلى هذا المنصب، فالناس في جبل عامل يرجعون إلى علمائهم ويقبلون الأحكام الصادرة عنهم، وعندي أرض ورثتها عن والدي، أزرعها وأعتاش منها، ولست بحاجة إلى أيّة مساعدة من أحد، حتى الحقوق الشرعية أنا مستغنٍ عنها والله تعالى كفاني همّ رزقي.

وكان أهالي منطقته بنت جبيل وحتى من داخل فلسطين والقرى المسيحية المجاورة، ترجع في خصوماتها إلى الشيخ حسين بزي، لما يرون فيه من أهلية علمية وعدالة فاقت التصور، وقدرة عالية على حلّ المشاكل.

استلم مبلغاً من المال وكان بأمسّ الحاجة إليه، ولم يأخذ منه فلساً واحداً

العلامة الشيخ محمود عباس العاملي (قده) صاحب روحية ومناقبية عالية  ،وله الكثير من المناقب التي تُحكى عنه، تجعل منه العالم القدوة الذي يصلح لأن يُقتدى به في كلّ مكان وزمان. حكايات كثيرة تُنقل عن الشيخ محمود عباس الذي ولد في عيثرون سنة 1867م، وتوفي في برج البراجنة وكان يسكن في غرفة واحدة مع عائلته في برج البراجنة، كأيّ عاملٍ قدِمَ إلى لبنان للعمل. فأوقاته كانت مليئة بالتبليغ والوعظ والإرشاد وتربية الجيل الصاعد ، ولم يصنع لنفسه حواجز مع الناس ، ولا اعتبارات تمنعه من العمل، وله الكثير من الحكايات المشهورة التي تركت أثراً بالغاً وطيباً في نفوس الخاصة والعامة، منها: أنه ذات يوم، كان يحجُّ بيت الله الحرام، وفي أثناء الطواف ناولته امرأة عراقية (خمس ليرات ذهبية)، وكان مبلغاً كبيراً آنذاك، وهو بأمسّ الحاجة إليه، وإذ بسيّدٍ عراقي محتاج، قدّم له الشيخ محمود كامل المبلغ، ولم يبقِ لنفسه فلساً واحداً.

ومنها: ذات يوم، كان ذاهباً إلى إحدى القرى للتبليغ والوعظ، وبينما هو في الطريق ناداه أحد الفلاحين وكان يجرّ خلفه (ثوراً)، فقال له: شيخنا جئت بهذا الثور لك (زكاة)، فأخذه الشيخ محمود وجرّه خلفه، وعند وصوله إلى إحدى القرى المجاورة، صادف وجود فلاح يحرث أرضه على بقرة وحمار، وعادةً الناس في قرانا لا يحرثون على الحمير لعدم قدرتها على الحراثة.

وهنا ما كان من الشيخ عباس، إلاّ أن قدّم (الثور) الذي معه لهذا الفلاح، مع أنّ الشيخ محمود كان بحاجة له، أو كان بالإمكان ذبحه وتوزيعه على العديد من الفقراء، لكنه لم يفعل، لقد أراد لهذا الفلاح، أن يقوم بمهمته المطلوبة منه في حرث أرض الناس، فيستفيد هو والمجتمع في قريته يستفيدون منه أيضا .

ومنها: ذات يوم، دهس سائق (تاكسي) مسيحي ولدَه البكر، وكان صغيراً فمات، فألقت الشرطة القبض على السائق وأودعته السجن، وعندما عَلم الشيخ محمود بالأمر، ذهب إلى الشرطة وأسقط الدعوى وأخرج السائق من السجن معتذراً له، قائلاً: "عندما دهست ولدي إنزعجتَ وتألّمت، وعندما أدخلوك السجن إنزعجتَ أيضاً، وأنا لا أريد أن أجمع عليك الألم والإنزعاج مرتين ولا ذنبَ عليك .


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1129
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2023 / 01 / 30
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 02 / 25