• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : بيعة امير المؤمنين (عليه السلام).... في الدلالة والوقائع .

بيعة امير المؤمنين (عليه السلام).... في الدلالة والوقائع

بيعة امير المؤمنين (عليه السلام).... في الدلالة والوقائع

قبل الدخول في بيان الواقع التاريخي لبيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) لا بد من بيان مسألة البيعة ومفادها شرعا وعلاقتها بالنص على أمير المؤمنين (عليه السلام) .

لا شك في وجود نصوص شرعية في القرآن الكريم والاحاديث الشريفة حول البيعة

كما في قوله عز وجل: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً)

وقوله عز وجل: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيأتيه أجراً عظيماً)

فبيعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديبية وفي فتح مكة تعرّض لها القرآن الكريم مما يكشف عن كون البيعة من الأمور الهامة في الإسلام.

وكذلك أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) البيعة لعلي (عليه السلام) بالخلافة قال( ص) : ..ألا وإني قد بايعت الله وعلي قد بايعني وأنا آخذكم بالبيعة له عن الله عز وجل ومن نكث فإنما ينكث على نفسه.. إلى أن قال: معاشر الناس فاتقوا الله وبايعوا علياً أمير المؤمنين (عليه السلام) والحسن والحسين(عليهما السلام)  والأئمة (عليهم السلام) كلمة طيبة باقية يُهلك الله من غدر ويرحم الله من وفى.. إلى أن قال: فنادته القوم سمعنا وأطعنا على أمر الله وأمر رسوله بقلوبنا وألسنتنا وأيدينا وتداكوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى علي (عليه السلام) فصافقوا بأيديهم وصارت المصافقة سنّة ورسماً يستعملها من ليس له حق فيها ... إلى آخر الخبر.

وفي إرشاد المفيد : أيها الناس إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي وإنما الخيار للناس قبل أن يبايعوا فإذا بايعوه فلا خيار لهم وإن على الإمام الاستقامة وعلى الرعية التسليم، وهذه بيعة عامة من رغب عنها رغب عن دين الإسلام واتبع غير سبيل أهله ولم تكن بيعتكم إياي فلتة وليس أمري وأمركم واحداً وإني أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم.

وهي تدلّ على أن البيعة إظهار للطاعة والالتزام بها بالنسبة للمعصوم (عليه السلام)

لكن البيعة مع وجود النص تحمل على التأكيد لا التأسيس بمعنى ان المكلف جعل التزاماً إضافياً في ذمته مقابل الإلزام الأولي كما هو الشأن في النذر أو العهد أو اليمين على الإتيان بالفرائض والواجبات. فالمبايع ينشأ التعهد بالتزام حاكمية ذلك المبايع مع أن أصل الحاكمية ثابت في رتبة سابقة وليس سبب الحاكمية هو المبايعة بل قد تكون في بعض صورها أداء لأمر واجب عليهم كما في مبايعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام المعصوم . والبيعة مع المعصوم لم تكن بيعة تنصيب وإنما كانت نوع التزام بالطاعة والانقياد إليه وإظهار ذلك للخارج.

وهكذا يقال في بيعة  أمير المؤمنين (عليه السلام) فالغرض من المبايعة كان هو التغليظ والتوكيد في المتابعة وإظهار الطاعة من باب الاحتجاج والحجية وليست هذه البيعة بيعة تنصيب أو تعيين للمعصوم.

وفي كتاب سليم عن أمير المؤمنين (عليه السلام): إن كانت الإمامة خيرة من الله ورسوله فليس لهم أن يختاروا وإن كانت الخيرة للناس فقد بايعني الناس بالشورى.

 فالبيعة لا مجال لها مع وجود النص وأما البيعة مع عدم وجود النص(بحسب ادعائهم) هذا من باب الإلزام لهم لأن القوم أنكروا وجود النص على خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ هم يلتزمون بأن الحكم بالشورى وهو احتج عليهم بنفس هذا.

 وبعض الفقهاء وجهوا بيعة النبي (صلى الله عليه وآله) والإمام (عليه السلام) على أنها نوع من الإلزام للطرف المقابل لأنه كان يلتزم بشرعية البيعة فكانوا يلزمونه بها أيضا.

وما ورد عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) من الأخبار والروايات فإنها في مجموعها يستفاد منها أنه كان في مقام الاحتجاج على الخصم المعتقد بالبيعة (ويلاحظ ذلك بكثرة في رسائل الامام (عليه السلام) الى معاوية) وهناك قرائن دالة على ذلك.

منها ما ثبت من ضرورة المذهب من أن إمامته (عليه السلام) كانت من نصب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن قبل الباري عز وجل.

ومنها الروايات الدالة في نهج البلاغة الدالة على أنه (عليه السلام) كان إماماً بالوراثة عن النبي كالخطبة الشقشقية وغيرها .

ومنها الاحتجاج بالبيعة التي وقعت للخلفاء الثلاثة ولا ريب أنه كانت من باب الجدل عندهم.

ومنها كون المخاطب في غير واحد منها معاوية وطلحة والزبير وأمثالهم من الذين كانوا لا يقبلون النص في حقه إلى غير ذلك من القرائن.

ففائدة البيعة للمعصوم من جهة الإلزام وإقامة الحجة على الناس فإن الحكومة من شأنها أن يكون لها مخالف ومؤيد فالحاجة إلى الإلزام وإقامة الحجة على المخالف كبيرة حتى لو كان المتصدي للحكومة معصوماً .

بيعة الإمام علي (ع) بالخلافة وأحداث ما بعد البيعة

اما عن الواقع التاريخي ومجريات البيعة بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفّان، تهافت الناس على الإمام علي(عليه السلام) يطلبون يده للبيعة، «فقالوا: إنّ هذا الرجل قد قُتل، ولا بدّ للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحقّ بهذا الأمر منك، ولا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقال: لا تفعلوا فإنّي أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً. فقالوا: لا والله، ما نحن بفاعلين حتّى نبايعك. قال: ففي المسجد، فإنّ بيعتي لا تكون خفيّاً، ولا تكون إلّا عن رضا المسلمين»

وقد وصف أمير المؤمنين عليه السلام هذا السيل العارم وإصرارهم على البيعة بقوله :

« فما راعني من الناس الا وهم رسلٌ إلي كعُرف الضبع ، يسألونني أن أُبايعهم ، وانثالوا عليَّ حتى لقد وُطئ الحسنان ، وشُقَّ عطفاي.

ومضى يصف في خطبته هذه موقفه من الخلافة : « أما والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ولزوم الحجَّة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على أولياء الأمر الا يقرُّوا على كظَّة ظالم أو سغب مظلومٍ ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أوَّلها ، ولألفوا دنياهم أزهد عندي من عفطة عنزٍ »

وتمَّت بيعته في الخلافة في يوم الجمعة الخامس والعشرين من ذي الحجَّة عام 35هـ ، وقال عليه السلام يصف ذلك الأمر : « وبسطتم يدي فكففتها ، ومددتموها فقبضتها ، ثُمَّ تداككتم عليَّ تداكَّ الإبل الهيم على حياضها يوم وردها ، حتى انقطعت النعل وسقط الرداء ووُطئ الضعيف.. » نهج البلاغة ، الخطبة : 229

وقد أخذت أيدي الناس ذراع الإمام ، تختلف أيديهم على يده ، ثُمَّ أقبلوا به إلى المسجد الشريف ، فكان أوَّل من صعد المنبر في المسجد طلحة وبايعه بيده ، وكانت أصابعه شلاء ، فتطيَّر منها عليٌّ عليه السلام وقال : « ما أخلقها أن تنكث » ، ثُمَّ بايعه الزبير وأصحاب النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وجميع من في المدينة من المسلمين »

فقال ابن عبد البر : « بويع لعليٍّ رضي الله عنه بالخلافة يوم قُتل عُثمان ، فاجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار ، وتخلَّف عن بيعته نفرٌ منهم ، فلم يهجهم ولم يُكرههم..

تهذيب الكمال 13 : 304

وكان ممَّن تخلَّف عن بيعته يوم ذاك : حسَّان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وزيد بن ثابت ، ومروان بن الحكم ، وسعد بن أبي وقَّاص ، وعبدالله بن عمر ، ومعاوية ومن معه في جماعة أهل الشام وآخرون الكامل في التاريخ 3 : 82

قد وضعهم أمام السياسة الواضحة ؛ إذ قال لهم : « دعوني والتمسوا غيري ، فإنَّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان ، لا تقوم له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول.. وإنَّ الآفاق قد أغامت ، والمحجَّة قد تنكَّرت وأضاف قائلاً : « واعلموا أنِّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، ولم أصغِ إلى قول القائل وعتب العاتب نهج البلاغة ، الخطبة : 229.

ذكر الشيخ المفيد خبراً عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، قال : « جمع أمير المؤمنين عليه السلام الناس للبيعة ، فجاء عبدالرحمن بن ملجم المرادي ـ لعنه الله ـ فردَّه مرَّتين أو ثلاثاً ثُمَّ بايعه ، وقال عند بيعته له : « ما يحبس أشقاها! فوالذي نفسي بيده لتُخضبن هذه من هذا » ووضع يده على لحيته ورأسه عليه السلام ، فلمَّا أدبر ابن ملجم عنه منصرفاً قال عليه السلام متمثِّلاً

« أشدد حيازيمك للمــوت * فــإنَّ المـوت لاقيــك

ولا تجــزع من المـوت * إذا حــلَّ بـواديـــك

كمـا أضحكـك الدهــر * كذاك الدهـر يبكيك » 

إرشاد المفيد 1 : 11. ونقله العلأَمة المجلسي في البحار 42 : 192|6

 

المتخلفون عن بيعة الامام علي (عليه السلام) 

في مروج الذهب : قعد عن بيعته جماعة عثمانية وجماعة لم يروا الا الخروج من الأمر

وفي أسد الغابة : تخلف عن بيعته جماعة من الصحابة فلم يلزمهم بالبيعة وسئل علي عمن تخلف عن بيعته فقال أولئك قعدوا عن الحق ولم ينصروا الباطل .

قال عبد الله بن الحسن فيما رواه عنه الطبري في العشرة الأول انهم كانوا عثمانية وقال : اما حسان فكان شاعرا لا يبالي ما صنع واما زيد بن ثابت فولاه عثمان الديوان وبيت المال فلما حصر عثمان قال يا معشر الأنصار كونوا أنصار الله مرتين فقال أبو أيوب ما تنصره الا لأنه أكثر لك من العبدان ، واما كعب بن مالك فاستعمله على صدقة مزينة وترك ما اخذ منهم له ، وقال المسعودي وبايع ابن عمر يزيد بعد ذلك والحجاج لعبد الملك بن مروان.

وقال ابن الأثير : فاما النعمان بن بشير فإنه اخذ أصابع نائلة امرأة عثمان التي قطعت وقميص عثمان الذي قتل فيه وهرب فلحق بالشام فكان معاوية يعلق قميص عثمان وفيه الأصابع فإذا رأى ذلك أهل الشام ازدادوا غيظا وجدوا في امرهم ثم يرفعه فإذا أحس منهم بفتور يقول له عمرو بن العاص حرك لها حوارها تحن فيعلقهما.

وفي ارشاد المفيد:روي الشعبي انه لما اعتزل سعد بن ابي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد ابن مسلمة وحسان بن ثابت واسامة بن زيد امير المؤمنين وتوقفوا عن بيعته، حمد الله واثنى عليه ثم قال : ايها الناس انكم بايعتموني علي ما بويع عليه من كان قبلي وانما الخيار للناس قبل ان يبايعوا، فاذا بايعوا فلا خيار لهم، وان على الامام الاستقامة وعلى الرعية التسليم، وهذه بيعة عامة من رغب عنها رغب عن دين الاسلام ، واتبع غير سبيل اهله ولم تكن بيعتكم اياي‏ فلتة، وليس امري و امركم واحدا، واني اريدكم لله، وانتم تريدونني لانفسكم، وايم الله لانصحن للخصم، ولانصفن المظلوم، وقد بلغني عن سعد وابن مسلمة واسامة وعبد الله وحسان بن ثابت امور كرهتها، والحق بيني وبينهم.

 

 

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1021
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 07 / 29
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 10 / 16