• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .
              • القسم الفرعي : مفاهيم .
                    • الموضوع : معرفة مقامات اهل البيت عليهم السلام .....  وقفات مع الزيارة الجامعة .
                          • رقم العدد : العدد السابع والثلاثون 37 .

معرفة مقامات اهل البيت عليهم السلام .....  وقفات مع الزيارة الجامعة

بسم الله الرحمن الرحيم

معرفة مقامات اهل البيت عليهم السلام .....  وقفات مع الزيارة الجامعة

 ارتضاكم لغيبه

آية الله الشيخ عبد الله جوادي آملي

كلمة "ارتضى" صيغة افتعال لفعل ماض من المادة "رضي".

نكتة: إن الفرق بين الرضا والارتضاء كالفرق بين القدرة والاقتدار؛ فيكون معنى "الارتضاء" أكمل الرضا وأتمه، فالمرتضى أعلى درجة من المرضي، ولعل استعمال "الارتضاء" هنا لأن شرط العلم بالغيب بلوغ الكمال الأتم والأكمل.

"الغيب" يقابل "الشهادة": {عالم الغيب والشهادة}الأنعام/73، والغيب هو الأمر الذي لا يدرك بالحواس الظاهرة. 

العلم بالغيب

هذه الفقرة من الزيارة مقتبسة من قوله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول}الجن/26ـ 27، وهي تبين بصريح القول أن العلم بالغيب مختص بالله تعالى، ولا سبيل لأحد إليه إلا من ارتضى الله وأذن له.

والعبودية المحضة لله وطاعته بالتسليم المطلق له هي السبيل الوحيدة لنيل المقامات المعنوية، والسالك المطيع هو من يرتضى الله رباً ويرضى بقضائه وقدره، فينال بذلك مقام "الرضا"، بمعنى أن الله راض عنه وهو راض عن الله: {رضي الله عنهم ورضوا عنه}، فيرتضيه الله لغيبه ويطلعه على أسرار فيه.

والأئمة الأطهار عليهم السلام هم في قمة العبودية وأعلى درجاتها، وليس بوسع أحد أن يبلغ شأوهم فيه، بل لا يسعه حتى إدراك كنه مقاماتهم الشامخة، وهذا ما يجعلنا نخاطبهم في هذه الفقرة بالقول: إن الله ارتضاكم للعلم بالغيب، ويتأيد هذا المعنى بكلمة "لعلمه" في الفقرة السابقة ـ بناء على نسخة ـ، فمعنى "اصطفاكم لعلمه" أنه تعالى اختاركم لحمل عمله، وعلم الغيب هو أظهر علم الله تعالى، فتكون نسخة "لعلمه" هي الأنسب لفقرة "وارتضاكم لغيبه"، وتصبح الفقرتان متعاضدتين في بيان كون الأئمة(ع) عيبة علم الغيب وحملته أسراره.

وقد يقال: إن الآية: {إلا من ارتضى من رسول} استثنت خصوص الرسل والأئمة ليسوا رسلاً، فكيف شملهم الارتضاء الإلهي؟

والجواب: ينبغي الالتفات إلى أمرين:

الأول: إن الآية بصدد إزالة الشك والريب عن ساحة الرسالة، ليطمئن الناس بأن وحي السماء لا يدخل عليه أثناء نزوله نقص ولا تفسده زيادة، بل تتلقاه الرسل كما أنزله الله تعالى، مأموناً من التحريف والعبث، وهم يبلغونه الناس كما أراد الله تعالى، وبهذا تطمئن قلوب الناس إلى الوحي المنزل، ويعلمون بأن الله يوحي إلى رسله كل ما يحتاجون إليه في الهداية، ومن هنا فالآية بصدد الدفاع عن حريم الرسالة، وإثبات حفظ الوحي، وليست بصدد ذكر كل العالمين بالغيب، وحصره في أناس معينين.

الثاني: إن المعيار في العلم بالغيب هو ارتضاء الله وحسب، فجملة {من رسول} بيان لأحد مصاديق المرتضون، ولكن إثبات شيء لشيء لا ينفيه عن غيره، فمن الممكن قيام أدلة أخرى على استثناء أناس آخرين (كالأئمة) ودخولهم في جملة (المرتضون لعلم الغيب).

قال الإمام الرضا عليه السلام مستشهداً بهذه الآية: أوليس أنه يقول: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول} فرسول الله عند الله مرتضى، ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما يشاء من غيبه، فعلمنا ما كان وما يكون، إلى يوم القيامة.

فهذه الرواية وغيرها تدل على أن مقامات الرسول كافة ـ عدا مقام النبوة وخصائصها ـ ثابتة للأئمة؛ لأنهم المعهود إليهم بتبيين القرآن وأحكام الدين وورثة خصائص النبي الأمين صلى الله عليه وآله وكمالاته.

إشارات

  1. تحقيق حول الغيب
  • معنى الغيب

يقسم القرآن الكريم الموجودات إلى قسمين: مشهود وغيبي؛ فما يدرك بإحدى الحواس الظاهرة فهو من عالم الشهادة، وما لا يدرك بشيء من الحواس (بما فيها الحواس المطورة) فهو من عالم الغيب، والعلم بذاته حصر على الله تعالى، ولا يمكن العلم به بالتعلم والتعليم والتدبر والرياضات وما شابه.

فهذا التقسيم الثنائي إلى شهادة وغيب إنما هو بلحاظ المعرفة والعلم؛ فما يمكن العلم به بإحدى الحواس المعروفة فهو شهادة، وإلا فهو غيب، ولولا عنصر المعرفة لكان هذا التقسيم عبثاً.

وهذا يغاير تقسيم الموجود إلى واجب وممكن، أو مجرد ومادي، لأنه تقسيم بلحاظ ذات الشيء وحقيقته، لا بلحاظ نحو العلم به.

  • أنواع الغيب

الغيب المطلق هو غيب عن كل أحد أياً يكن، وفي كل المقاطع الوجودية والزمانية، مثل "الذات الإلهية"، فإنها لا تدرك بالحواس: {لا تدركه الأبصار}الأنعام/103، ولا يحاط علماً به بالفكر "يا من لا تحويه الفكر" مهج الدعوات ص 154 و"لا يدركه بُعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن" نهج البلاغة خ1. أجل؛ "تدركه القلوب بحقائق الإيمان" نفس المصدر خطبة 179، وهو إدراك معنوي بمعونة الإيمان به والنزوع إليه، وهو لا ينافي كونه تعالى غيباً مطلقاً.

ولا ريب في أن ذاته مشهودة له تعالى؛ إذ لا معنى لأن يكون الشيء غيباً حتى عن نفسه.

والغيب النسبي أو المقيس هو ما يكون غيباً في مقاطع وجودية معينة وعن بعض الناس، مثل:

  • القيامة، فإنها غيب عن عامة الناس، ولكنها شهود لمن يقول: "لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً".
  • الملائكة، فهي غيب عن معظم الخلق، لكن كل محتضر يراها قبيل موته: {يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمينْ}الفرقان/22
  • الأنباء المستقبلية، فهي غيب عن الحاضرين، ولكنها مشهودة للآتين في ذلك الزمان المستقبل.
  • أخبار الماضين: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك}مريم/17
  • وللشخصية المعنوية للأنبياء والائمة بُعد غيبي، وإن كان بُعدهم الظاهري محسوس ومشهود، ولذا فالوجود المبارك لصاحب العصر (عج) من مصاديق الغيب الآن: "والغيب هو الحجة" (بحار الأنوار ج52 ص 124 )

لأن شخصه عليه السلام مغيب عن أكثر الناس ومحجوب عنهم عينه، فضلاً عن شخصيته المعنوية، وفي الرواية عن الصادق عليه السلام: في قوله تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب}، قال: "من أقر بقيام القائم عليه السلام أنه حق" (تفسير الثقلين ج1 تفسير الآية 3 من سورة البقرة )

قال الأستاذ العلامة الطباطبائي بعد نقل هذه الرواية: "وهو من الجري"، أي إن عد الإيمان بالقائم عليه السلام من الغيب هو من قبيل التطبيق على المصداق، وليس من التفسير المفهومي.

  • اختصاص علم الغيب بالله

دلت عدة آيات على اختصاص علم الغيب بالله تعالى، منها:

  • {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو}الأنعام/59
  • {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب}الأنعام/50
  • {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله}النمل/65
  • {فقل إنما الغيب لله}يونس/20
  • {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوءْ} الأعراف/188

وهناك آيات تثبت علم الغيب لغير الله أيضاً، منها ما جاء في شأن النبي عيسى عليه السلام من إخباره الناس بما يأكلون وما يدّخرون: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم}آل عمران/49.

ومنها إخبارات النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قومه بغلبة الروم بعد سنين(الروم)، ودخول المسلمين المسجد الحرام (انظر الفتح/27)، وفتح مكة ورجوعه صلى الله عليه وآله منتصراً إليها (انظر القصص/85).

ويؤيد ذلك الإخبارات الغيبية للأئمة الأطهار عليهم السلام في الكثير من الروايات الواصلة إلينا، بل عدت بعض الروايات العلم بالغيب من خصائص الإمامة وعلامات الإمام، ففي الرواية: "أي إمام لا يعلم ما يصيبه وإلى ما يصير فليس ذلك بحجة لله على خلقه".

ومفاد هذه الرواية وغيرها أن الإمام المعصوم عالم بوقت موته.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ما وجه الجمع بين الآيات النافية والمثبتة، ليزول التنافي الظاهري بينها؟

هناك أجوبة عديدة ومختلفة لهذا السؤل، نذكر منها اثنين:

الجواب الأول: أن تكون الآيات الحاصرة لعلم الغيب في الله تعالى بصدد حصر الاستقلال بعلم الغيب فيه تعالى، والآيات المثبتة بصدد إثبات علم الغيب لغيره تعالى، لكن بالعرض والتبع، بمعنى أن الله تعالى هو العالم بالغيب استقلالاً، وبإرادته وإذنه يعطي منه ما يشاء، ويسلبه منه متى شاء.

وعلى هذا الأساس جاء في الرواية عن عمار الساباطي أنه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الإمام، يعلم الغيب؟ فقال: "لا، ولكن إذا أراد أن يعلم الشيء أعلمه الله ذلك". الكافي ج1 ص 258

وفي الرد على بعض الغلاة نفي الأئمة الأطهار عليهم السلام نفياً قاطعاً أن يكون علمهم بالغيب بنحو الاستقلال، وشددوا النكير على من يدعي ذلك فيهم، بل ولعنوه وتبرؤا منه؛ من ذلك ما ورد في التوقيع الشريف لبقية الله الأعظم عليه السلام:

"يا محمد بن علي ! تعالى الله عزّ وجلّ عما يصفون، سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاءه في علمه ولا في قدرته، بل لا يعلم الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه تبارك وتعالى: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله}، وأنا وجميع آبائي.. عبيد الله عزّ وجلّ.. يا محمد بن علي! قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه، وأُشهد الله الذي لا إله إلا هو وكفى به شهيداً ومحمداً رسوله وملائكته وأنبياءه وأولياءه، وأُشهدك وأُشهد كل من سمع كتابي هذا، أني بريء إلى الله وإلى رسوله ممن يقول: إنا نعلم الغيب، أو نشارك الله في ملكه، أو يحلّنا محلاً سوى المحل الذي نصبه الله لنا وخلقنا له، أو يتعدى بنا عما قد فسرته لك وبينته في صدر كتابي..".

فأنت ترى أن الإمام عليه السلام أنكر كونهم عليهم السلام مستقلين في العلم بالغيب، وكونهم شركاء لله تعالى، والقول فيهم بما يخرجهم من حد الممكن، وما شابه ذلك، ولم ينف أصل علمهم بالغيب. وعليه فإن العلم به بإعلام الله تعالى ممكن، كما ورد في التوقيع الشريف منه عليه السلام لآخر سفرائه: "بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد السمري! أعظم الله أجر إخوانك فيك: فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره...("بحار الأنوار ج 25 ص 266)

الجواب الثاني: إن علمه تعالى بالغيب علم بالفعل، وعلمهم به بالقوة، ومنوط بإرادتهم، فيعلمون به بالفعل إذا أرادوا، وإلا فهم عالمون به بالقوة، وبعبارة أخرى: علمهم به علم إرادي، كما أن جهلهم الفعلي إرادي، وبعد الارادة يعلمون به بإعلام الله، وبما أن ارادتهم تابعة لإرادته سبحانه: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} فهم لا يريدون إلا أن يريد الله؛ فالآيات الحاصرة المقصود بها حصر العلم الغيبي الفعلي في الله، والآيات والروايات الأخرى المقصود بها إثبات العلم الغيبي بالقوة (العلم الإرادي)، الحاصل بعد الجهل بإعلام الله ومشيئته.

وبهذا التفريق بين العلم الفعلي والإرادي يمكن القول إن الأئمة ما كانوا عالمين بنتيجة الخطوات العملية من شهادة وقتل وما شابه؛ لأن الله تعالى لم يشأ أن يعلموا بذلك لئلا يختل نظام التكليف ويحيد عن مجراه المقدر له.

  • التناقض في عبارة "علم الغيب"

إن الغيب من حيث كونه غيباً لا يكون متعلقاً للعلم، وإذا تعلق العلم به فهو ليس غيباً، فكيف يصح وصف "الغيب" بالعلم؟

والجواب: إن المقصود بعلم الله ومن ارتضاه بالغيب علمهم بما غاب عن غيرهم، وأن ما ستر عنهم مشهود لهم: ".. كل سر عندك علانية، وكل غيب عندك شهادة؛ إذ إنه لا معنى لكون الشيء المعلوم لله تعالى ومن ارتضاه لغيبه، غيباً بالنسبة لهم، وإلا لزم التناقض.

  • علم الأئمة بالغيب

صرحت روايات كثيرة جداً بعلم الأئمة بالغيب، منها على سبيل المثال:

  1. عن أبي بصير، عن الإمام الباقر عليه السلام قال: "إن لله عزّ وجلّ علمين: علم لا يعلمه إلا هو، وعلم علمه ملائكته ورسله، فما علمه ملائكته ورسله عليهم السلام فنحن نعلمه".
  2. عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: "نزل جبرئيل على محمد صلى الله عليه وآله برمانتين من الجنة، فلقيه علي عليه السلام فقال: ما هاتان الرمانتان اللتان في يدك؟ فقال: أما هذه فالنبوة، ليس لك فيها نصيب، وأما هذه فالعلم، ثم فلقها رسول الله صلى الله عليه وآله بنصفين، فأعطاه نصفهما وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله نصفها، ثم قال: أنت شريكي فيه وأنا شريكك فيه، قال: فلم يعلم والله رسول الله صلى الله عليه وآله حرفاً مما علمه الله عزّ وجلّ إلا وقد علمه علياً، ثم انتهى العلم إلينا"، ثم وضع يده على صدره.
  • العلم بالقيامة

العلم  بوقت القيامة هو أهم علم غيبي يستأثر به الله تعالى، وقد يطلق عليه "الغيب الخاص المستأثر". وروايات الأئمة الأطهار عليهم السلام التي تتحدث عن تفاصيل ذلك اليوم وما يكون فيه من أحداث دليل علمهم عليهم السلام بما سيكون في ذلك المحشر العظيم، فهل هم عالمون أيضاً بميقاته تحديداً؟

ظاهر قوله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول} أنه تعالى أظهر الإنسان المعصوم على ذلك، لأن الآيات السابقة على هذه الآية تحدثت عن نار جهنم وخلود من يعصي الله ورسوله فيها، فتكون "الألف واللام" في كلمة "الغيب" شاملة للقيامة، سواء كانت للعهد أم للجنس؛ فيكون المعنى: إن الله يعلم ما هي القيامة، ويعلم ميقاتها، ولا يعلم ذلك إلا هو ومن أرتضى من رسول.

ويمكن إقامة عدة أدلة على هذه الدعوى:

  1. إن الملائكة كلهم (بمن فيهم ملائكة القيامة) خاضعون ساجدون للإنسان الكامل، المتجلي في آدم عليه السلام: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} وهو المعلم وهم المتعلمون: {فلما أنبأهم بأسمائهم} وهذا مقام خاص بالإنسان الكامل، وعليه فإن كل ما يقع في دائرة تدبير الملائكة (بما في ذلك القيامة وأحداثها) لن يخرج عن دائرة علم معلمهم.
  2. في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام قال: ورب الكعبة ورب البنية ـ ثلاث مرات ـ لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما؛ لأن موسى والخضر عليهما السلام أعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وراثة.

وقد نصت روايات أخرى أيضاً على علمهم عليهم السلام بما هو كائن "إلى يوم القيامة".

وهذا ما يفهمنا أن نهاية علم الأئمة عليهم السلام بما هو كائن مساوق لنهاية هذه الدنيا وانقضاء أجلها؛ لورود النصوص بحرفي "إلى" و "حتى"، وهما لبيان الغاية، فهم عليهم السلام على علم تفصيلي بكل حدث يكون قبل يوم القيامة زماناً ومكاناً، فيكون ميقات قيام الساعة معلوماً له، لأنه هو ما قبل الحدث الأخير.

  1. إن العترة عِدل القرآن، وهو يستبطن حقائق غيبية كثيرة، منها ميقات المعاد، فلو لم يعلم بها الأئمة عليهم السلام لزم افتراقهم عنه، وهذا تالٍ وباطل، لمنافاته حديث الثقلين المتواتر، فإنه نفى افتراقهما أبداً

ملاحظة:

روي عن أنس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله جالساً مع أصحابه إذ جاءه رجل عليه ثياب السفر، يتخلل الناس حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فوضع يده على ركبة رسول الله(ص)، فسأل فيما سأل: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل".

وهذه الرواية لا دلالة فيها على عدم علم النبي بميقات الساعة، بل معناها بدلالة شواهد أخرى أنه (ص) لا يعلم به استقلالاً وفعلاً، لا مطلقا.

ويشهد له أن القرآن ذكر أموراً غيبية وحصر العلم بها في الله تعالى، ومنها العلم بميقات المعاد: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيب ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير}.

وفي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: قال: قال لي أبي: ألا أخبرك بخمسة لم يطلع الله عليها أحداً من خلقه؟ قلت: بلى، قال: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير}.

فذكر نزول الغيث وما في الأرحام ووقت الموت كأمور غيبية إلى جنب العلم بالساعة، ولكن جاءت روايات كثيرة أخبر فيها الأئمة بعض شيعتهم بآجالهم وحينهم ومكانه، وأخبروا بأمور غيبية ذكرتها الآية هنا؛ فلا مناص من تقييد إطلاق هذه الآية وما ماثلها من روايات، والقول بأن الانسان الكامل المعصوم له أن يعلم بميقات الساعة إن أراد.

  1. شركاء الدعوة

تدل هذه الفقرة من الزيارة على الدور المشارك والفاعل للأئمة عليهم السلام في إبلاغ الرسالة بيان ذلك:

إن عنوان "الرسول المشرع" وإن لم يطلق في القرآن والروايات إلا على رسل الله دون غيرهم، غير أن الرسالة (وهي مثال حلقة الوصل بين الرسول والناس) تختلف عن النبوة (وهي مثال حلقة الوصل بين الرسول والله تعالى) حيث إن العبد يصبح نبياً بالاصطفاء وتلقي الوحي، ويصبح رسولاً بإبلاغ الوحي الإلهي للناس، ولا شريك له في النبوة، لكي يعينه حال مرضه مثلاً في تلقي الوحي، ولكن يصح عقلاً أن يكون له من الأئمة المعصومين وخلّص صحابته المأمونين على الدين من يعينه في إبلاغ الرسالة، وإيصال صوت الوحي إلى أسماع الناس، وتفسير وتبيين ما يشكل عليهم فهمه من أمور الدين، ويكون مبعوثه في نشر الدين وإيضاح معالمه في أصقاع الأرض، قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} ويحتمل أن كلمة "سبيلي" هنا إشارة إلى جنبة النبوة وتلقي الوحي في الرسول الأكرم(ص)، و"الياء" فيها دالة على اختصاص النبوة به(ص)، أما الجنبة الدعوية فمن تبعه شركاؤه فيها، فهذه الآية دالة على أصل الاشتراك في التبليغ، ولكن السؤال هنا: من هم شركاء النبي في التبليغ وتبيين الدين؟

وردت روايات طبقت قوله تعالى: {ومن اتبعني} على الأئمة الأطهار وسياق الآيات يؤيد ذلك أيضاً.

وهذه الفقرة من الزيارة تدل أيضاً على هذا الاشتراك، بدليل:

إن القرآن يحصر العلم بالغيب في الرسل: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول}

إن هذه الفقرة تثبت علم الأئمة عليهم السلام بالغيب، رغم أنهم ليسوا رسلاً بحسب التعريف الاصطلاحي.

فيتحصل أنهم شركاء الرسول في الجنبة التبليغية، وأن لهم بعداً تواصلياً ودعوياً مع الناس من خلال الرسالة الإلهية، دون بعد الارتباط الخاص بالله تعالى، لأن ذلك من خصائص النبوة، ولا نصيب لهم فيها.

ومن الشواهد على ذلك حديث المنزلة، فقد قال النبي(ص): "يا علي إنما أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي".

وكان النبي موسى عليه السلام سأل الله تعالى أن يشرك أخاه في أمره فقال: {وأشركه في أمري}، فأجابه الله: {قد أوتيت سؤلك يا موسى}، وكلفهما معاً بحمل الرسالة إلى فرعون: {فأتياه فقولا إنا رسولا ربك}

فيكون علي عليه السلام بحسب حديث المنزلة وتنزيله من النبي منزلة هارون شريكاً في التبليغ لا في النبوة.

وبما أن الأئمة كلهم نور واحد، فهم أيضاً بمنزلة نفس رسول الله، وشركاء له في الرسالة والتبليغ، ومرتضون من قبل الله لغيبه.

 

& _ من كتاب ادب فناء المقربين _ بتصرف


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1039
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 09 / 16
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 11 / 27