• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مفاهيم .
                    • الموضوع : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ .

وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ

وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ

قال تعالى{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4)

الله تعالى جلَّ جلاله هو ذاتٌ  مستجمعة لتمام صفات الجمال فهو رحيمٌ، كريمٌ، عدلٌ، غفورٌ، قويٌ، عزيزٌ، لطيفٌ، كذلك كان دين الله دين الكمال و دين الرحمة و دين العدل ودين المصلحة العامة و دين الإنصاف وأحكامه كلُّها عدلٌ ورحمةٌ و إنصافٌ وخير .

وكذلك كان انبياء الله تعالى ورسله كاملين في انفسهم وفي اخلاقهم وسلوكهم وكان سيدهم في ذلك رسول الله (ص).

وقد كان للأنبياء مهمتان: مهمةٌ بيانية ومهمةٌ قيادية

فالمهمة البيانية أن يبيِّنوا للناس ما نزّل اليهم من ربهم والمنهج الصحيح والصراط المستقيم  وما ينبغي وما لا ينبغي.

اما المهمة القيادية فهي ان الأنبياء والقادة الربانيون هم قواد الناس لأنهم يقدمونهم ويدعون الناس للسير وراءهم، لا أنهم يقفون ويقولون لهم: الطريق من هنا، اذهبوا واحذروا السقوط، ونحن على الأثر.

من هنا كانت اهمية أن يكونوا كاملين لانهم القدوة

لذلك يقول الله تعالى﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 و(ان) للتأكيد و(اللام) لام التوكيد أيضاً، و(على ): تفيد الاستعلاء، أي أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس ذا خُلًقٍ، بل هو على خلقٍ  فهو على خلقٍ أي متمكنٌ من مكارم الأخلاق.

بيَان  الشيء وصفي أو كَمِّي
إن الشيء إما أن يبيَّن وصفياً أو كَمِّياً، فقد يقول لك أحدهم: أنا معي مليون ليرة، فكلمة مليون ليرة هذه هي مبلغ كمي، أما إذا قال لك أحدهم: أنا معي مبلغ كبير ولم يحدد  المقدار ، فهذا بيان وصفي، فهناك بيان كمي و بيان وصفي.

وقد يقول قائل: بيتي كبير ويقول لك آخر: بيتي مساحته ثلاثمائة متر، فثلاثمائة متر بيان كَمِّي، أما ( كبير ) فهي بيان وصفي.

وربنا عزَّ وجل وصف النبي صلى الله عليه وآله بأنه على خلقٍ عظيم، فكلمة (عظيم) هي وصفية.
ولو أن طفلاً صغيراً قال لك: أنا معي مبلغٌ كبير، قد يكون مبلغه الكبير مليون ليرة،

 أما إذا قال أحد أكبر أغنياء العالم: أنا معي مبلغ كبير، يختلف الامر فكل واحد يتكلم بحسبه وعلى قدره.

فالله العظيم الذي خزائن الكمالات و مكارم الأخلاق كلها من عنده يقول للنبي صلى الله عليه وآله ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

وكما وصف  الله تعالى ما يرجع إلى قوته العلمية بأنه عظيم فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏

كذلك اللَّه تعالى وصف ما يرجع إلى قوته النظرية بأنه عظيم، فقال: وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء: 113]

فلم يبق للإنسان بعد هاتين القوتين شي‏ء

واذا كان الله تعالى شهد لرسوله (ص) فقال : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

. فكم تبلغ أخلاق النبي ؟ فالعظيم يَصِفُ النبي بأنه ذو خلقٍ عظيم

وقد كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم صفات أخرى كان من الممكن أن يمدحه بها، وكل الصفات التي يفتخر بها الناس كان صلى الله عليه وآله وسلم قمةً فيها، لكن حينما أراد أن يمدحه قال﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

و الخلق: طباع النفس، وأكثر إطلاقه على طباع الخير

قال الراغب: والخلق‏- بفتح الخاء- و الخلق‏- بضم الخاء- في الأصل واحد كالشرب والشرب والصرم والصرم لكن خص الخلق- بالفتح- بالهيئات و الأشكال والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق- بالضم- بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة قال تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏» انتهى.

والعظيم: الرفيع القدر وهو مستعار من ضخامة الجسم، وشاعت هذه الاستعارة حتى ساوت الحقيقة.

و (على) للاستعلاء المجازي المراد به التمكن كقوله: أُولئِكَ عَلى‏ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ‏ [البقرة: 5] ومنه قوله تعالى: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ‏ [النمل: 79]، إِنَّكَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ [الزخرف: 43]، إِنَّكَ لَعَلى‏ هُدىً مُسْتَقِيمٍ‏ [الحج: 67].

لما كانت أخلاقه كاملة وصفها اللَّه بأنها عظيمة ولهذا قال: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ‏ [ص: 86] أي لست متكلفا فيما يظهر لكم من أخلاقي لأن المتكلف لا يدوم أمره طويلا بل يرجع إلى الطبع.

والخلق العظيم: هو الخلق الأكرم في نوع الأخلاق وهو البالغ أشد الكمال المحمود في طبع الإنسان لاجتماع مكارم الأخلاق في النبي صلى اللّه عليه وآله.

وَإِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏ : أي وإنّك لمفطور على خلق عظيم، فأنت متمكّن منه تمكّن القادر على الشي‏ء باستعلاء.

وعن قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ‏ [الأعراف 7/ 199].

يقول الإمام الصادق عليه السلام «ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية.

وروى البرقي عن أحد الأئمة عليه السلام: إنّ اللّه تبارك وتعالى أدّب نبيه فأحسن تأديبه، فقال: «خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ‏» فلمّا كان ذلك أنزل اللّه‏ «إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏»

وعن الحارث بن الولهاث مولى الرضا عليه السلام قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون فيه ثلاث خصال سنة من ربه وسنة من نبيه وسنة من وليه إلى قوله: وأما السنة من نبيه فمداراة الناس فإن اللَّه أمر نبيه بمداراة الناس فقال: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين.

وقال الإمام الصادق عليه السلام : إنّ اللّه عزّ وجلّ أدّب نبيه فأحسن أدبه، فلمّا أكمل له الأدب قال: «وَإِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏»

ضرورة قراءة السيرة

والخلق العظيم من أعم ما امتدح اللّه به رسوله صلى اللّه عليه وآله في كتابه ,

وكان صلى اللّه عليه وآله ممتثلا لتعاليم القرآن في سيرته كلها، و قد أمرنا بالتأسي به ، فكان من أهم ما يجب على الأمة معرفة تفصيل هذا الإجمال ليتم التأسي المطلوب.

وقد قال تعالى : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الأحزاب: " 21

فقراءة السيرة  ضرورة  اذ كيف يكون النبي أسوةً حسنةً لنا  إن لم نعرف سيرته، وأخلاقه، وعطاءه، ورحمته، ولطفه و.....

فيجب علينا أن نقرأ سيرة النبي كي نقلِّده، لأن الله عزَّ وجل لم يقبل دعوة محبته إلا باتباع سنة النبي صلى الله عليه وآله ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ آل عمران:31

وقد ذم الله الذين جهلوا سيرته فقال تعالى في شأنهم : ( أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ ، فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ) المؤمنون 69.

ومن هنا كان من الواجب علينا - نحن المسلمين - أن نتعرف على سيرة رسولنا ، لتكون لنا منارة على الطريق، وهداية على الدرب .

 

استمداد الأخلاق من القرآن

وكان صلى الله عليه وآله خُلُقه القرآن , هذا الكتاب الذي  لو تلوناه حقَّ تلاوته، ووقفنا عند أوامره و نواهيه، وعند آدابه لتخلَّقنا به.

قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ 6 المؤمنون

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9

 وهذا كله من الخلق الكريم.(سورة المؤمنون)

إن أردت أن تتقرَّب إلى الله فإن التقرب إليه يكون بالخُلُق العظيم، وتطبيق آيات القرآن الكريم سبيلٌ لك إلى هذا الخُلُق العظيم.


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1050
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 10 / 21
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 04 / 19