• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : مشيئة الله  ومشيئة العبد .
                          • رقم العدد : العدد الواحد والاربعون .

مشيئة الله  ومشيئة العبد

بسم الله الرحمن الرحيم

مشيئة الله  ومشيئة العبد

بقلم: الشيخ ناصر علي الحركة

قال تعالى في كتابه الكريم: {إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} (التكوير 29)

القرآن الكريم هو ذكر يتلى او تذكرة لجماعات الناس وليس لجماعة خاصة يستهدون به ويستبصرون به.

نعم لقد خصص الله سبحانه وتعالى المؤمنين من عموم الناس، فمن شاء منهم الاستقامة فإنهم وبشكل خاص يستفيدون من القرآن الكريم لأن فعلية الانتفاع بهذا الذكر مشروطة بأن يشاؤوا الاستقامة على الصراط السوي وهذا لا ينفي أو يمنع الانتفاع بالقرآن الكريم من قبل عموم الناس.

ولكن هل هذا يعني ان للناس عموما والمؤمنين خصوصا الاستقلال في مشيئتهم؟؟ فإن شاؤوا استقاموا وان لم يشاؤوا لم يستقيموا، خاصة اذا نظرنا الى تتمة الآية وهي قوله تعالى: {وما تشاؤون الا ان يشاء الله رب العالمين}، وهل يفعل الانسان ما يشاء من دون الله استقلالا عنه او يفعله بمشيئة الله تعالى؟

والظاهر من الآية ان مشيئة الناس متوقفة على مشيئة الله سبحانه وتعالى فلا يشاؤون الاستقامة الا ان يشاء الله أن يشاؤوها، وذلك لأن أفعال الانسان الارادية مرادة لله تعالى ولا يقع شيء في عالم الامكان من الانسان الا بإذن الله تعالى.

بعد هذا العرض المبسط للآية نشير الى مجموعة امور:

اولا: هل المشيئة الالهية تعني الارادة الالهية؟ المشيئة في اللغة الايجاد والارادة طلب كما عن الزبيدي (تاج العروس ج1 ص185)، والواضح ان المشيئة اخذت من الشيء شاء شيئا، والارادة مأخوذة من الفعل (اراد)، فالمشيئة هي مصدر الاشياء وبها وجدت الأشياء. وعن الامام الصادق عليه السلام: خلق الله المشيئة بنفسها وخلق الأشياء بالمشيئة (الكافي جزء1 ص110)

وقد ميز البعض بين المشيئة والارادة فقال ان المشيئة عبارة عن ايجاد المعدوم او اعدام الموجود، بينما الارادة تعني ارادة المعدوم فقط كما عن الزبيدي في تاج العروس الامام الرضا يسأل: يا يونس تعلم ما المشيئة؟ قال لا فقال الامام عليه السلام: هي الذكر الاول فتعلم ما الارادة؟ قال لا، قال عليه السلام هي العزيمة على ما يشاء، فتعلم ما القدر؟ قلت لا، قال عليه السلام: هي الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء.. ثم قال عليه السلام والقضاء هو الابرام واقامة العين (الكافي ج1 ص158)

وفي تفسير قوله تعالى: وان من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم، قال الامام: الخزائن هي مشيئة الله والتنزيل ارادته.

وقال البعض مثل ابن منظور والجوهري انهما مترادفان وان لا فرق بينهما لقوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} (يس 8283)

وقال البعض ان المشيئة والارادة صفتان ثابتتان بالكتاب والسنة وهما من صفات الفعل الالهي لا من صفات الذات ولا يمكن ان نقول ان لله مشيئة أزلية فنثبت صفة ازلية غير العلم والقدرة والحياة للباري عز وجل فعن الامام الصادق عليه السلام: المشيئة محدثة (الكافي)، وعن الامام الرضا عليه السلام: المشيئة والارادة من صفات الأفعال، فمن زعم أن الله تعالى لم يزل مريدا شائيا فليس بموحد (كتاب التوحيد)

وقد ورد عن الامام الرضا عليه السلام: واعلم ان الابتداع والمشيئة والارادة معناها واحد واسماؤها ثلاثة (بحار الانوار ج10 ص314)

وقيل بوجود فرق فارق وهو أن الابتداع خلق شيء من لا شيء, وأما الخلق فهو خلق شيء من شيء.

ثانياً: تنقسم المشيئة الالهية الى مشيئة تكوينية ومشيئة تشريعية:

اما المشيئة التكوينية فلا يمكن ان تتخلف عنها مشيئة العبد لقوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} (سورة يس اية 82) ولا أثر لمشيئة العبد في مشيئة الله التكوينية وهذا يظهر في مجموعه كبيرة من الايات منها:

قوله تعالى: {ولو شاء ربك ما فعلوه} (الانعام 112)

وقوله تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} (البقرة 353)

وقوله تعالى: {ولو شاء الله لآمن من في الارض كلهم جميعا} (يونس39)

وقوله تعالى: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} (هود44)، فإذا اراد الله أن يغويكم وهو لا يحب ذلك فعل وتحقق فعله لكنه لا يحب الغواية ولكن الناس تعيش الغواية ببعدها عن النبي(ع) وعن الالتزام بنصيحته التي يحبها الله تعالى.

فالمشيئة أو الارادة التكوينية غالبة على مشيئة العبد، ويلزم منها وقوع مراد الله، سواء رضي العبد او لم يرض، في ما يحبه الله وفي ما لا يحب.

 واما المشيئة التشريعية فيمكن ان تتخلف عنها مشيئة العبد حيث ان الله سبحانه وتعالى لا يحب الذنوب والمعاصي والضلال والكفر ولا يأمر بها ولا يرضاها وان كان قد شاءها خلقا وتقديرا وايجادا فقد يأتي بها العبد لأن الله سبحانه وتعالى جعل للعبد الاختيار فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وهذا يظهر في مجموعه كبيرة من الايات منها:

قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} (البقرة185) ومع ذلك نجد اشخاصا بسوء اختيارهم غير ميسورين.

وقوله تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} (المائدة 6) ومع ذلك يقع الحرج لبعض الناس بسبب أدائهم.

وقوله تعالى: {والله يريد ان يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات ان تميلوا ميلا عظيما} (النساء 27) فينحرف الناس عما أراد الله وأحبه ولا ينالون التوبة التي يحبها الله تعالى.

فالإرادة التشريعية تختص في ما يحبه الله عز وجل ولا يلزم فيها وقوع مراد الله من قبل العبد بل قد تتخلف عن المراد الإلهي.

ثالثاً: ان من شأن المشيئة الالهية التبدل والتغير كما هو واضح في قوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} (الرعد 39)، وبهذا المعنى لا تتنافى مع البدَاء، أما لو قلنا ان المشيئة الالهية لا تتغير ولا تتبدل لقوله تعالى: {ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد} (ق 29) فهذا ايضا لا يتنافى مع القول بالبداء الذي مفاده ان الله يبدو له شيئا غير الذي كان، لكن لا على نحو الجهل بما كان ولا على نحو الندامة على ما فعل، كما يحصل مع الانسان حيث يبدو له غير الذي كان عن جهل اوعن ندامة او لمصلحة.

وفي الرواية: كيف علم الله؟؟ قال العالم عليه السلام: علم وشاء واراد وقدر وقضى وأبدى، فأمضى ما قضى، وقضى ما قدر، وقدر ما أراد، فبعلمه كانت المشيئة، وبمشيئته كانت الارادة، وبإرادته كان التقدير، وبتقديره كان القضاء، وبقضائه كان الامضاء، فاذا وقع القضاء بالامضاء فلا بداء (التوحيد ص334)

وفي رواية ثانية: عن الامام الرضا عليه السلام حين سأله يونس: قلت لا يكون الا ما شاء الله واراد وقدر وقضى؟؟ قال عليه السلام: لا يكون الا ما اراد الله وشاء وقدر، قال يونس فما معنى شاء؟؟ قال عليه السلام: ابتداء الفعل، قال يونس: فما معنى اراد؟؟ قال عليه السلام الثبوت عليه، قال يونس فمعنى قدر؟؟ قال عليه السلام: تقدير الشيء في طوله وعرضه.. قال يونس فما معنى قضى؟ قال عليه السلام: إذا قضاه أمضاه فذلك الذي لا مرد له (الكافي ج1 ص158)

 

رابعاً: في الروايات حول المشيئة الإلهية ومشيئة العبد:

رواية اولى: توضح العلاقة بين المشيئة الالهية ومشيئة العبد وانه لا تنافي بينهما بل إن مشيئة العبد لا تكون في عرض مشيئة الالهية بل هي في طولها، وفي هذه الرواية عن ابي الحسن عليه السلام: ان لله ارادتين ومشيئتين: ارادة حتم وارادة عزم. ينهى وهو يشاء ويأمر وهو لا يشاء، أوما رأيت الله نهى آدم عليه السلام وزوجته ان يأكلا من الشجرة وهو شاء ذلك. اذ لو لم يشأ لم يأكلا، ولو أكلا لغلبت مشيئتهما مشيئة الله تعالى، وأمر ابراهيم بذبح ابنه وشاء ان لا يذبحه ولو لم يشأ ان لا يذبحه لغلبت مشيئة ابراهيم مشيئة الله عز وجل (بحار الانوار ج4 ص39)

رواية ثانية: توضح العلاقة بين قدرة الانسان والمشيئة الالهية وهل هذه القدرة الانسانية مطلقة أو أنها محدودة؟ والحق واضح وجلي أنها قدرة انسانية محدودة، بل هي لا تتم الا بالارادة الالهية وهذا ما عبرت عنه الرواية والتي أخبر فيها أمير المؤمنين صلوات الله عليه عباية بن ربعي الاسدي حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل مع الله ؟؟ فسكت عباية.

فقال له امير المؤمنين عليه السلام: قل يا عباية، قال وما اقول؟؟

قال عليه السلام: ان قلت انك تملكها مع الله قتلتك وان قلت انك تملكها من دونه قتلتك فقال عباية فما اقول يا امير المؤمنين؟؟

قال عليه السلام: تقول انك تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فان يملكها اياك كان ذلك من عطائه، وان يسلبكها كان ذلك من بلائه، هو المالك لما ملكك والقادر على ما عليه اقدرك، اما سمعت الناس يسألون الحول والقوة حين يقولون لا حول ولا قوة الا بالله.. قال عباية وما تأويلها يا امير المؤمنين؟؟

قال عليه السلام: لا حول عن معاصي الله الا بعصمة الله ولا قوة لنا على طاعة الله الا بعون الله قال فوثب عباية فقبل يديه ورجليه (تحف العقول ص467)

الرواية الثالثة: توضح العلاقة بين المشيئة الالهية والقضاء والقدر حيث يعتقد البعض ان القضاء والقدر يعني نسبة الفعل الانساني الى الله سبحانه وتعالى، وما هذا الا بهدف تنصل هذا البعض من المسؤولية الملقاة على عاتق الانسان، وهذا غير صحيح فالقضاء والقدر لا يعني نسبة ما يقوم به الانسان الى الله عز وجل بالكامل بل يترك الانسان يفعل ما يشاء وان كان الله عز وجل يمتلك القدرة على منعه من الفعل، بل ان فكرة القضاء والقدر مفادها ان الله عز وجل يقدر الاشياء في قوتها وضعفها، وفي خشونتها ونعومتها، وفي حلوها ومرها، وفي اتساعها وضيقها، ويقدر الكثير من ميزات الأشياء، ويقضي بنتائج لازمة في حال تفاعل شيء مع آخر يختلف ويتمايز عنه.

وفي هذه الرواية ان امير المؤمنين عليه السلام قال لرجل سأله بعد انصرافه من الشام فقال يا امير المؤمنين اخبرنا عن خروجنا الى الشام بقضاء وقدر؟؟؟

فقال عليه السلام: نعم يا شيخ ما علوتم تلعة ولا هبطتم واديا الا بقضاء وقدر من الله... فقال الشيخ عند الله احتسب عنائي يا امير المؤمنين.

فقال عليه السلام: مه يا شيخ، إن الله عظم اجركم في مسيركم وانتم سائرون، وفي مقامكم وانتم مقيمون، وفي انصرافكم وانتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من اموركم مكرهين ولا اليه مضطرين، لعلك ظننت انه قضاء حتم وقدر لازم، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، ولسقط الوعد والوعيد، ولما ألزمت الاشياء اهلها على الحقائق، ذلك مقالة عبدة الاوثان واولياء الشيطان، ان الله امر تخييرا ونهى تحذيرا، ولم يطع مكرها ولم يعص مغلوبا ولم يخلق السماوات والارض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار.

فقام الشيخ فقبل رأس امير المؤمنين عليه السلام وأنشأ يقول :

انت الامام الذي نرجو بطاعته      يوم النجاة من الرحمن غفرانا

أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا     جزاك ربك عنا فيه رضوانا

فليس معذرة في فعل فاحشة       قد كنت راكبها ظلما و عصيانا

(تحف العقول لأبي شعبة الحراني ص469)

أما علاقة المشيئة الالهية بالجبر(اي ان الانسان مجبر على افعاله) والتفويض (اي ان الله فوض الى الانسان اموره كلها بلا تدخل من منه) فالجبر بهذا المعنى مرفوض كما أن التفويض بهذا المعنى غير مقبول, ولا تنافي بينهما بل ان الحديث المشهور عن الامام الصادق عليه السلام: لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين(بحار الانوار ج5 ص17)، هو الحاكم على هذه العلاقة، فليس الانسان مجبرا على اي فعل من أفعاله ولو كان مجبرا لانتفى الثواب والعقاب اذ يمكن للعبد ان يتذرع بأنه مجبور على الفعل من قبل الباري عز وجل، وليس الانسان مفوضا اليه أفعاله بمعنى ان الانسان يفعل ما يشاء استقلالا عن الذات الإلهية، بل معنى الحديث أن الله جعل طريقين طريق الهدى وطريق الضلالة فالانسان مجبر على اختيار احد هذين الطريقين لأنه لا طريق ثالث يمكن ان يختاره، وهذا مفاد قوله تعالى: {إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا}(الانسان/13).

 وفي الرواية ان ابن زياد قال للامام السجاد: من أنت؟ فقال: علي بن الحسين.

قال ابن زياد: أليس قد قتل الله علي بن الحسين؟ قال عليه السلام: كان لي أخ يسمى عليا قتله الناس.

قال ابن زياد: بل قتله الله، فقال عليه السلام: الله يتوفى الانفس حين موتها (الملهوف على قتلى الطفوف لابن طاووس)

وفي الرواية ايضا ان ابن زياد قال لزينب عليها السلام: الحمدلله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم، فقالت زينب(ع): انما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا.

قال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟؟ فقالت زينب: ما رأيت الا جميلا، هؤلاء قوم كتب عليهم القتال فبرزوا الى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن يكون الفلج يومئذ، هبلتك أمك يا ابن مرجانة (موسوعة شهادة المعصومين عليهم السلام)

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1159
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2023 / 07 / 03
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 02 / 25