• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : قساوة القلب .

قساوة القلب

قساوة القلب

 إنّ اللّه ينسب لنفسه فعل جعل القسوة في قلوب مجموعة من اليهود! و الذي نعرفه هو أنّ هذه القسوة ما هي إلّا نتيجة لارتكاب الذنوب و الانحرافات، فكيف إذن ينسب اللّه فعل جعل القسوة في قلوب أولئك اليهود إلى نفسه؟ و لو كان هذا الفعل من اللّه، فكيف يكون أولئك الأشخاص مسؤولين عن أعمالهم، ألا يعتبر هذا نوعا من الجبر؟

ولدي الإمعان بدقة في الآيات القرآنية المختلفة، و منها الآية موضوع البحث، يتبيّن لنا أنّ الأشخاص إنما يحرمون- بسبب اخطائهم و ذنوبهم- من لطف اللّه و رحمته و هدايته، و أن أعمالهم هذه في الحقيقة مصدر لمجموعة من الانحرافات الفكرية و الأخلاقية، بحيث يستحيل على الإنسان- أحيانا- أن يجنب نفسه عواقبها و نتائجها.

و بما أنّ العلل- أو الأسباب- تعطي آثارها بإذن اللّه، لذلك نسب مثل هذه الآثار في القرآن الكريم إلى اللّه، كما نقرأ في الآية (27) من سورة إبراهيم قوله تعالى وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ و في الآية (77) من سورة التوبة نقرأ قوله سبحانه: فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى‏ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ

و واضح أنّ هذه الآثار السيئة تنبع من عمل الإنسان نفسه، و لا تناقض في هذا الأمر حرية الإرادة و الإختيار، لأنّ مقدمات تلك الآثار تكون من عمل الإنسان و تصدر عنه بعلمه و اختياره، و لأنّ آثار عمله هي النتيجة الحتمية للعمل نفسه، و على سبيل المثال لو أنّ إنسانا تناول شيئا من المشروبات الكحولية، و حصلت لديه حالة من السكر، فقام على أثر هذه الحالة بارتكاب جريمة معينة، فهو و إن كان لا يمتلك إرادته في حالة السكر، إلّا أنّه قبل ذلك أقدم على شرب الخمرة مختارا و مدركا لما يفعل، و بذلك هيّأ بنفسه مقدمات العمل الجنائي، و هو يعمل احتمال صدور هذا العمل منه في حالة السكر، و لذلك فهو مسؤول عن هذا العمل، فلو قيل في مثل هذه الحالة: إنّ شخصا قد شرب الخمرة فسلبنا منه عقله، فتورط نتيجة عمله في ارتكاب جريمة، فهل في هذا القول أي تناقض أو هل يستشف منه مفهوم الجبر؟

و خلاصة القول فإنّ كل أنواع الهداية و الضلال و أمثالها التي تنسب في القرآن الكريم إلى اللّه سبحانه، إنّما تحصل بشكل حتمي كنتيجة للمقدمات و الأعمال التي تصدر من الإنسان نفسه، و على أثرها يستحق إمّا الهداية أو الضلال، و في غير ذلك فإنّ العدل و الحكمة الإلهيين، لا يسمحان مطلقا أن يساق إنسان إلى طريق الهداية دون أي مبرر، أو أن يساق آخر إلى طريق الضلال دون وجود سبب لذلك «1

 المصدر :   الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏3، ص:  640_  639


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=430
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 10 / 20
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 04 / 10