• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .
              • القسم الفرعي : فكر .
                    • الموضوع : من يتحدث باسم الإسلام؟ .
                          • رقم العدد : العدد التاسع عشر .

من يتحدث باسم الإسلام؟

                         من يتحدث باسم الإسلام؟


هذا الكتاب الذي أعده الباحث الأمريكي جون اسبوزيتو والباحثة الأمريكية المصرية داليا مجاهد يعد- على حد وصف الكاتب الإسلامي فهمي هويدي الذي كتب مقدمته- مفاجأة وصدمة للغربيين، ومصدر المفاجأة والصدمة فيه كما يرى هويدي أنه يمثل سباحة ضد التيار وخروجاً على المألوف وتمرداً على الصورة النمطية التي فرضت على العقل الغربي وصنفت العرب والمسلمين على أنهم كائنات شاذة وغريبة مسكونة بالتعصب والتطرف ومهجوسة في الوقت ذاته بكراهية الغرب ومتطلعة إلى الانقضاض عليه وإفنائه، ولذلك فإن محاولة تغيير هذه الصورة الخاطئة والراسخة في نفوس الأمريكيين والأوروبيين بقدر كبير من الشجاعة والنزاهة والموضوعية العلمية؛ كانت مغامرة تصدى لها الباحثان بدرجة عالية من الشجاعة والنزاهة العلمية ليس دفاعا عن الإسلام وصورته التي شوهت في الغرب فحسب، ولكن حرصا على مصالح الغرب المتغطرس الذي اتخذ مواقف عدائية من الإسلام والمسلمين دون مبرر وأضاع على نفسه كثيرا من المنافع الاقتصادية والحضارية لو أنه فهم الإسلام على حقيقته وتعامل مع أهله بأمانة ونزاهة وموضوعية.

وما يعطي لهذا الكتاب قيمة علمية وسط المؤلفات العديدة التي رصدت صورة الإسلام وموقعه في المجتمعات الغربية عموما هو أنه اهتم بالحقائق وتعامل معها بحياد وموضوعية ولم يتأثر مؤلفاه بالاتهامات العشوائية المتوارثة أو بالمفاهيم المغلوطة التي علقت بأذهان وعقول الغربيين عن الإسلام، ومن ثم فهما لم يشتركا في حملة التغليط والتزييف التي تعبر عن الكسل العقلي أو عن الهوى والغرض

وكشفت هذه الدراسة أن المسلمين ليسوا جيوشا تشهر السيوف وتمتطي الخيول التي تتحفز للانقضاض على الغربيين “الكفار” وليسوا جماعات إرهابية “نائمة” تتحين الفرصة لإشاعة الخراب والدمار والترويع بين الآمنين، وليسوا كائنات أدمنت قهر النساء وإبقاءهن في سراديب “الحريم” ولكنهم مخلوقات طبيعية لا علاقة لها بما يروجه الغربيون عن الإسلام من صور مغلوطة ومفاهيم خاطئة.
قائمة الاكتشافات التي يقدمها هذا الكتاب للقارئ الغربي طويلة في نظر الكاتب الإسلامي فهمي هويدي، منها مثلا أن المسلمين يدركون أن الغرب ليس كتلة واحدة، ولكنه دول شتى، تختلف في مواقفها وسياساتها، وانطباعات المسلمين عن هذه الدول تختلف باختلاف مواقف قادتها إزاء قضايا الإسلام والمسلمين، منها أيضا أن المسلمين ليسوا مشغولين بالجهاد المسلح ضد الغرب، ولكن أعدادا كبيرة منهم مشغولة بالحصول على وظيفة أفضل، ومنها أيضا أن المسلمين معجبون بالديمقراطية في الغرب وينتقدون التحلل الأخلاقي وانهيار القيم الاجتماعية فيه، وأن نساءهم ينشدن المساواة مع الرجال، إلى غير ذلك من الانطباعات التي تكشف عن “إنسانية” المسلمين والتي لا يختلفون فيها عن الأمريكيين والأوروبيين.

المسلمون ضحايا الإرهاب

وعلى خلاف ما هو سائد في الغرب من أن الإرهابي يرتدي دائماً عباءة الإسلام، كشفت الدراسة أن المسلمين هم أكثر شعوب العالم تضررا من الإرهاب والتطرف الديني غير الإسلامي، حيث تصاعدت الحملات العسكرية ضد الشعوب الإسلامية في مناطق كثيرة من العالم تحركها نوازع دينية متطرفة، ولم يقتصر هذا على ما تعرض له المسلمون من أذى على أيدي الغربيين في الدول الإسلامية والمناطق التي يسكنها مسلمون في الغرب مثل البوسنة والهرسك وكوسوفا والشيشان وغيرها، بل أهدرت حقوق المسلمين في الكثير من الدول الأمريكية والأوروبية والآسيوية التي لا تدين بالإسلام وذلك بسبب الكراهية الدينية، والهلع من الإسلام في الغرب، وحالة التعبئة العامة ضد الإسلام والمسلمين والتي دفعت إليها مواقف وتصريحات متعصبة وغير مسؤولة من بعض القيادات السياسية والعسكرية في الغرب.

وأكدت الدراسة أن الإرهاب ليس “صناعة إسلامية” كما يظن أو يتوهم كثير من الغربيين سواء أكانوا من النخب السياسية والفكرية أو من عامة الناس، بل هو صناعة عالمية تدفع إليها وتقودها مفاهيم خاطئة ومعلومات متوارثة عن الإسلام.

وأوضح المؤلفان أن المفاهيم الإسلامية الصحيحة هي التي تشكل عقلية أكثر من تسعين في المائة من المسلمين تجاه الغرب وتحدد أسلوب التعامل معه، وأن غالبية الشعوب الإسلامية لا تحمل كراهية واضحة تجاه الغرب، فالمسلمون الذين يحثهم دينهم على العلم يبدون إعجابهم الشديد بالنهضة العلمية الغربية، والمسلمون المتحضرون الذين يقدرون قيم النظافة والنظام والحرص على أوقات العمل ويعشقون الجمال في كل شيء يقدرون مظاهر التحضر والرقي في المجتمعات الغربية. والمسلمون الذين يتطلعون إلى الحرية والتمتع بكل حقوقهم السياسية والمدنية ينظرون بإعجاب إلى الديمقراطية الغربية، وكل هذه المظاهر والسلوكيات والمشاعر تؤكد أن نقاط التفاهم والتلاقي بين المسلمين والغربيين كثيرة وأن الكرة الآن في ملعب الغربيين الذين ينبغي عليهم أن يتخلوا عن مفاهيمهم المغلوطة عن الإسلام وعن مواقفهم العدائية تجاه المسلمين.

آمال مشروعة

يقول المؤلفان: “يواجه المسلمون كثيرا من الشؤون والهموم مثل التي يواجهها أي أناس آخرين وعند سؤالهم عن أحلامهم وآمالهم ذكر كثيرون من المشاركين الهموم الاقتصادية في المحل الأول وتعقب هذه المسائل الحاجة الماسة إلى تحسين النظام والقانون وإزالة التوترات المدنية والحروب، ونشر المثل الديمقراطية في أنظمتهم السياسية، وكذلك تحسين مكانة بلادهم العالمية واستقلالهم حتى يكتسبوا مزيداً من احترام الآخرين، ويوقفوا التدخل الخارجي، وتشمل الأولويات الداخلية تيسير أنظمة تعليمية أفضل لاستئصال الجهل والأمية وتحقيق المساواة بين الجنسين، والعدالة الاجتماعية والحرية الدينية”.

وتنقل الدراسة جانباً من ثقافة المسلمين إلى الغربيين، وتوضح أن المسلمين مرتبطون بدينهم ارتباطاً قوياً، وأنهم يؤمنون بقدرته على تنظيم كل شؤون حياتهم، والانتماء للإسلام لا يعني مجرد الإيمان والتعبد في المساجد، بل يعني هذا الإيمان ارتباط تعاليم الإسلام وتوجيهاته بكل ما يصدر عن الإنسان من سلوكيات في أمور حياته العامة والخاصة.

دين يحترم الحريات

وعلى عكس ما هو سائد وشائع في الغرب وعالق بأذهان كثير من الغربيين يؤكد المؤلفان أن الإسلام دين يحترم كل حريات الإنسان ويساند كل قيم ومبادئ الديمقراطية الحديثة، وإذا كانت هناك تجاوزات في علاقة الأنظمة الحاكمة بشعوبها فهي تجاوزات مرفوضة إسلاميا ولا يقرها دين احترم حقوق الإنسان .

هذه الحقيقة  احترام الإسلام للديمقراطية  لا تجسدها كما يقول المؤلفان ما ورد بشأنها في المصادر الإسلامية، بل تجسدها أيضاً مشاعر وقناعات المسلمين، حيث عبر المسلمون في إجاباتهم عن أسئلة الاستفتاء عن قناعتهم الكاملة بأن شريعتهم تدعم وتساند كل القيم الديمقراطية الحديثة.

وغياب الديمقراطية الحديثة عن الشعوب الإسلامية، كما يقول المؤلفان، لا يرجع إلى خلل في المنظومة الإسلامية ، بل يرجع إلى سياسات وعصور من التخلف والاستعمار زرعت أنظمة استبدادية في بعض البلدان العربية والإسلامية.

وتكشف الدراسة عن مفارقة يراها المؤلفان غريبة وهي أن المشاركين في الاستفتاء، رغم إعجاب معظمهم بجوانب عديدة في الديمقراطية الغربية فإنهم لا يحبذون تبني النماذج الديمقراطية الغربية، فالمسلمون يريدون نموذجهم الديمقراطي الخاص الذي يستمد أصوله وقيمه من الشريعة ويحتضن القيم الدينية.

ورغبة المسلمين في الارتباط بدينهم وتحكيم مبادئ شريعتهم ينبغي ألا تشكل إزعاجا للغرب، فالقيم الإسلامية الصحيحة وتعاليم الشريعة توفر أقصى درجات الأمان للغربيين، ولذلك واجبهم أن يدعموها وألا يقفوا ضدها.

وأوضح المؤلفان  من خلال نتائج الاستفتاء الذي أجري في 35 دولة  أن الشعوب الإسلامية تنحاز دائما إلى فكرة التعاون مع الآخرين والتفاهم والتعايش السلمي معهم، لذلك ترحب النخب الدينية والسياسية والفكرية بالحوار بين الغرب والعالم الإسلامي.


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=323
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 01 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 11 / 24