هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (5)
---> بيانات (87)
---> عاشوراء (117)
---> شهر رمضان (121)
---> الامام علي عليه (48)
---> علماء (24)
---> نشاطات (7)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (15)
---> مقالات (202)
---> قرانيات (75)
---> أسرة (20)
---> فكر (127)
---> مفاهيم (205)
---> سيرة (83)
---> من التاريخ (30)
---> مقابلات (1)
---> استراحة المجلة (4)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)
---> العدد الواحد والثلاثون (9)
---> العدد الثاني والثلاثون (11)
---> العدد الثالث والثلاثون (11)
---> العد الرابع والثلاثون (10)
---> العدد الخامس والثلاثون (11)
---> العدد السادس والثلاثون (10)
---> العدد السابع والثلاثون 37 (10)
---> العدد الثامن والثلاثون (8)
---> العدد التاسع والثلاثون (10)
---> العدد الأربعون (11)
---> العدد الواحد والاربعون (10)
---> العدد الثاني والاربعون (10)

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 شهر الدعاء والتضرع الى الله

 ليلة القدر... لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ

 شَهْرَ اللّهِ وعطاءاته

  من فضائل الصيام وخصائصه العظيمة

 الصوم لي وأنا أجزي به

 لكل شيء ربيع وربيع القرآن شهر رمضان

  المسارعة الى اقتناص الفرص

 من وظائف وامنيات المنتظرين للامام المهدي (عج)

 الدعاء لإمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف

 شعبان شهر حَفَفهُ  الله بِالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوانِ

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

مواضيع عشوائية :



 الاحتفال بمولد النبي (ص)... بدعة أم سُنّة

 بشرى لشيعة علي(ع)

 عظمة التربة الحسينية

  الاستغناء يحفظ الكرامة الإنسانية

 معارف قرآنية

 حقوق الأسرة في الإسلام

 الأسس الميتافيزيقية في النظام الفلسفي للوجود

 باب فاطمة (ع) رمز الصمود والشهادة

 كيف نربي أبناءنا التربية الجنسية السليمة

 بحث حول مفهوم القيمة

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 2

  • الأقسام الفرعية : 17

  • عدد المواضيع : 1171

  • التصفحات : 7081099

  • التاريخ : 14/04/2024 - 11:04

 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : فكر .

              • الموضوع : الحرية المعنوية .

                    • رقم العدد : العدد الثاني والاربعون .

الحرية المعنوية

باسمه تعالى

الحرية المعنوية

 

الشيخ حسن بدران

 

الحرية من خصائص الإنسان الذي يحيا بالحس والشعور، ويتحرك بالفكر والإرادة، ويتمتع باستعدادات خصبة وقابليات شتى تؤهله لإحراز مقام الخلافة على الأرض.

والإنسان يبحث عن حريته بإزالة العوائق من طريق قابلياته واستعداداته، وبإبراء ذمته من التكليف والعقاب والمسؤولية، وبتخطي أشكال الاسترقاق والاستعباد التي قد تعترض طريقه، ولا تحول قانونية التاريخ دون أن يساهم في رسم مصيره بنفسه، كما لا تمنعه جبرية الطبيعة من أن يسخر مواردها في صالحه، وهكذا تتفرع موارد الحرية وتتشعب تطبيقاتها من دون أن يعني ذلك اختلاف مفهومها بحسب الموارد المختلفة، بل هي باقية على مفهومها اللغوي والعرفي، فالحرية هي عدم القيد والأسر، وبهذا المعنى ورد استعمالها في النصوص الإسلامية.

وفي جهة التشريع يوجد في الوسائل باب بعنوان: (أن الأصل في الناس الحرية حتى تثبت الرقية بالإقرار). وفي المروي عن الإمام علي عليه السلام: "أيها الناس إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة، وإن الناس كلهم أحرار"[الكافي، ج‏8، ص‏79]. فالحرية - بأي معنى فسّرت - هي قدر الإنسانية المتدينة وغير المتدينة. ويبقى أن للدين أولوية تسبق الحرية، لأنه يقوم بترشيد الحرية ووضع الحدود المناسبة لاستمرارها. وفي الحقيقة فإن الحرية لا يمكن أن تتوفر إلا في ظل النظام الإسلامي، ومن خلال أحكام الإسلام نفسه. فالحرية التي لا تنطوي على الإسلام هي حرية مزيفة. كما أن الإسلام الذي لا ينطوي على الحرية والعزة هو إسلام مرفوض.

والحرية أمانة إلهية، ومسؤولية إيمانية. وتكليف ديني وإنساني، وهي حق من حقوق الانسان وشرط ضروري وأولي لرقيه وتقدمه. بل إن كل انحطاط يصيب الإنسان يعود بنحو ما الى انتزاع حريته منه.

ومن الواضح أن حقوق الإنسان إنما تستمد من طبيعة الهدف والغاية التي ينشدها في وجوده وبحسب غاياته التكاملية. ويتفرع عن ذلك ان الحرية مطلب ضروري إذا كانت تعني عدم وضع العراقيل والعقبات أمام القابليات البشرية. أما الحرية التي تحول دون تكامل الإنسان فهي حرية زائفة، ومرفوضة، مثل هذه الحرية التي تعني الانحراف وتشجع على الفساد يجب مكافحتها والقضاء عليها.

ومما لا شك فيه ان كل عامل يسهم في سعادة الإنسان الواقعية فهو يحظى في الاسلام بقيمة عالية، سواء كان هذا العامل ايجابيا من قبيل الثقافة والتربية أو كان سلبيا من قبيل الحرية؛ إذ الحرية ليست سوى عدم وجود العائق امام سعادة الإنسان، فالحرية ليست هدفا يطلب لذاته، وانما هي عدم مانع، فهي وسيلة لا أكثر، وحيث انها لا تعتبر من مقتضيات السعادة المباشرة لذلك تعد قيمتها من الدرجة الثانية. والحرية هي صفة للسلوك والقدرة اللذين هما في حد ذاتيهما وسيلتان ايضاً، وإذا كانت الحرية مجرد وسيلة فهذا يعني ان قيمة الحرية تكتسب من الهدف، والاختلاف في قيمة الهدف سيؤدي الى الاختلاف في قيمة الحرية.

 

وقد يفضل الإنسان نوعا من العبودية على الحرية، حين تسمو به العبودية إلى مستوى لا يحصل عليه من خلال الحرية، فيخبرنا التاريخ أن زيد بن حارثة سبي في الجاهلية وبيع في بعض أسواق العرب، واشتري لخديجة، ثم وهبته خديجة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يبعث وهو ابن ثماني سنين، فنشأ عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبلغ الخبر أهله فقدم أبوه وعمه مكة لفدائه فدخلا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالا: "جئناك في ابننا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه! فإنا سنرفع لك في الفداء. قال صلى الله عليه وآله وسلم: من هو؟ قالا: زيد بن حارثة. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: فهل أنتم لغير ذلك، فقالا: ما هو؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: دعوه فخيروه فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من أختارني أحداً. قالا: زدتنا على النصف وأحسنت. فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم! قال صلى الله عليه وآله وسلم: من هما؟ قال: هذا أبي، وهذا عمي! قال: فأنا من قد علمت ورأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما. فقال زيد: ما أريدهما ما أنا بالذي أختار عليك أحداً، أنت مني بمكان الأب والأم! فقالا: ويحك يا زيد! أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال: نعم، إني قد رأيت من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالذي أختار عليه أحداَ أبدا" [الطبقات الكبرى، ج‏3، ص‏42].

 فعبودية زيد في كنف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضل وألذ من حريته في كنف أهله وعائلته. ولعل هذا يلقي الضوء كيف أن التعبير عن الحرية في الروايات كان في كثير من الاحيان متلازما مع العبودية لله تعالى.

 

والحرية قد تكون مطلقة كما قد تكون مقيدة. والمقصود من الحرية المطلقة رفض اي نوع من انواع القيود، فلو خلي الإنسان وهواه لاختار التحلل من كل قيد. والمراد من الحرية المقيدة الحرية بلحاظ بعض القيود. ومع ان الدين الاسلامي لاحظ مسألة الحرية في كل تشريعاته إلا انه رفض الحرية المطلقة بسبب أنها تؤدي إلى انحدار الإنسان من رتبته الإنسانية الى الرتبة الحيوانية.

بل ان الحرية لا تكون الا مقيدة، ويستحيل وجود الحرية المطلقة بالمعنى الدقيق لها، لأن كل حرية تستدعي قيدا. فقد كان النبي يوسف عليه السلام عبدا من حيث الجسد، ولكنه كان سيدا من حيث الروح، وبمقتضى كونه سيدا رفض الانصياع لإغراءات امرأة العزيز، لان الانصياع لها يفضي الى عبودية الروح. وهكذا رفض العبودية حتى وإن استلزمت عبودية من نوع آخر: "قال رب السجن أحب الي مما يدعونني إليه" [سورة يوسف، الآية/33].

فكل حرية تستدعي قيداً. فإذا أراد الإنسان أن يعيش في مجتمع يحتكم لنظام الاسلام، فلا بد أن يتقيد بالقوانين التي يستلزمها هذا النظام، بل ان التقيد بالنظام يدل على الرقي والتمدن وليس على التخلف والاستعباد.

كما ان أي هدف يسعى اليه الإنسان في الحياة، فمن البديهي ان يقيد حريته ورغباته بما يحقق هذا الهدف، ويتناسب معه، فاذا أردنا ان نتحرر من ذل الجهل فعلينا ان نلتزم بقيود العلم. وبالتالي لا بد ان تُفهم الحرية على اساس رفع القيود التي تشكل مانعا دون تحقيق الهدف، حتى وان كان ذلك لا يتم الا عبر تشريع قيود. وهذه ميزة اساسية من مميزات الحرية فإنها رفع قيد بوضع قيد آخر. فقد نهض أبو الأحرار طالبا للحرية ولكن كان من نتائج ذلك أن دخلت أسرة الحسين عليه السلام في الأسر والسبي، فهؤلاء أعطوا وجودهم لخدمة الاسلام وتحرير البشرية.

ومهما يكن، فمن حقنا ان نرفض الحرية المطلقة، بمقتضى كوننا أحرارا، وبالتالي فان الحرية المطلقة تصادر نفسها بنفسها. فلا يلزم من تقييد الحرية انتفاؤها بل يلزم من اطلاقها انتفاؤها.

هذا وتختلف نظرة الاسلام لمفهوم الحرية عن المفهوم الغربي لها، ذلك أن منشأ اعتبار الحرية في المفهوم الغربي هو الاعتراف بالكرامة الذاتية للإنسان. أما لماذا كان الاعتراف بهذه الكرامة هو الأساس للحرية والعدل؟ فهذا سؤال لا جواب لهم عليه.

ان احترام كرامة الإنسان الذاتية بمنأى عن الهدف التكاملي للإنسان القائم على اساس مبدأ التوحيد، يتفرع عنه ضرورة احترام ميول الإنسان ورغباته وما ينتخب من أفكار وآراء بشكل مطلق.. فبحسب هذا المبدأ لا بد من احترام كل عقيدة يؤمن بها الإنسان، ولو كانت أتفه العقائد وأشدها اهانة للإنسان، كالخضوع امام الحجر وعبادة البقر.

 

ومن جهة ثانية لا معنى للقول بأن الحرية لا يحدها شيء سوى حرية الآخرين، لأن هذا سوف يفضي إلى فتح الباب على مصراعيه بدون مبرر. فالإنسان ليس حرا في ان يتسافل حتى ولو لم يؤدّ ذلك الى الاضرار بحرية الآخرين، بل ان تكليفه ان يختار التكامل الذي تفرضه طبيعته بإرادته، ولا بد من توفير متطلبات الارادة والاختيار والحرية من خلال عدم وضع العوائق التي تحول دون تكامله.

فالناس أحرار في كل شيء طالما أن هذه الحرية لا تحول دون تكاملهم أو تؤدي بهم إلى الانحراف والهلاك. وإن إفساح المجال للآخرين إلى التهتك والانفلات ليس من الحرية في شيء. بل ان الحرية بالمفهوم الغربي تؤدي الى فساد المجتمعات. والى نتائج وآثار مدمرة ولا تخلو عن قصد سيئ ونية مبيتة.

والاسلام انما يشرع القوانين ويضع الحدود للحرية لأنه يرى ان هذه الضوابط ضرورية للحفاظ على الحرية وضمان استقلال شخصية الإنسان الفردية والاجتماعية. ولذلك فهو يحرم استغلال الحرية والتذرع بها لأجل الوصول إلى المآرب الفاسدة. وهو يرفض الحرية التي تعني حرية الفوضى وحرية الشتم والسباب والغيبة واتهام الآخرين وغير ذلك مما يسيء إلى الأخلاق والقيم. كما يرفض الاسلام كل اشكال الفساد والفوضى ويدعو إلى النهي عن المنكر الذي يروج له باسم الحرية.

ثم إن الدين يتضمن تكاليف ملزمة قد تحد من حرية الإنسان. وهذا أمر طبيعي، سيما مع عدم امكان تحقق الحرية المطلقة. واي تفلت من هذه الحدود سيؤدي لا محالة الى عبودية اخرى أشد محدودية، لأن تجاوز حدود الله والابتعاد عن الدين سوف يؤدي الى افتقاد الحرية، اذ الدين هو الانفتاح على المطلق الذي لا يحده حد، والابتعاد عن الدين ابتعاد عن المطلق واقتراب من المحدود. فالحرية تكتسب قيمتها اسلاميا في نطاق العبودية لله تعالى وليس في النطاق الخارج عنها، فإن الكل خاضع لإرادة الله تعالى.

 

وقد يصر البعض على أن التكاليف الدينية تتضمن نوعا من الاكراه الذي يتنافى وحرية الانسان، كيف وقد توعدنا الله تعالى بالنار فيما لو خالفنا تكاليفه، مع ما في العقاب بالنار من الاضرار بالإنسان!

ولكن ينبغي ان نلتفت هنا الى أن العبودية أو التقيد حاجة ضرورية لكمال الإنسان يختارها بمل‏ء ارادته. أي ان الإنسان يتنازل مختارا عن قسط من حريته لأجل مصلحته. فإذا كان في التشريع الالهي نوع اكراه فهو لأجل مصلحة الانسان وترشيده، تماما كما يكره الأب ولده على فعلٍ ما لمصلحته، ولو ترك الأب ولده حرا ولم يكرهه على ان يدرس مثلا فإن هذه الحرية سوف تلحق الضرر بالطفل، فكيف إذا كان الضرر كبيرا جدا ويسبب مثل الخلود في النار؟؟

 

ومن جهة ثانية، لا إشكال في صحة الصلاة فيما لو كان الإنسان يصلي بدافع الخوف من النار، وهي عبادة العبيد كما عبّر أمير المؤمنين عليه السلام، كما لا إشكال في صحتها فيما لو صلاها طمعا في الجنة، وهي عبادة التجار أو الأجراء، وقد يفهم من ذلك أن العبادة الحقيقية التي تكون مقبولة عند الله تعالى هي عبادة الأحرار، عبادة الشكر، عبادة من يعبد الله لاستحقاقه العبادة واهليته لها، هذه العبادة لا تكون بدافع الخوف من النار، لذلك لا يوجد فيها أي لون من ألوان الإكراه حتى الخفي منه، وهي العبادة التي هدف الاسلام إليها في تشريعه.

وفي الواقع، فان هذا يفسر الأهمية لتركيز الإسلام على الحرية المعنوية بما تعنيه من افساح المجال امام الإنسان ليقوم بأداء تكاليفه التي بها يتخلص من عبودية الأهواء النفسية والاوهام الخيالية، وأما التحلل من التكليف وإطلاق العنان للنفس فهو يفضي إلى عبودية من نوع أعمق. فالحرية تنبع من التخلي عن الدنيا، وهو معنى ما قاله علي عليه السلام: "من زهد في الدنيا أعتق نفسه وأرضى ربه" [ميزان الحكمة، ج‏1، ص‏583].

 

والحرية تنبع من التقوى، وهو معنى ما قالته امرأة العزيز لما رأت يوسف بعد أن أصبح في سدة الحكم: ما أحسن التقوى كيف حررت العبيد، وما أقبح الخطيئة كيف عبدت الأحرار! ويتضح السر في ذلك إذا عرفنا أن من قدر على نفسه كان على غيره أقدر، ومن خضع لنفسه وعجز عنها كان أمام غيره أعجز وأضعف. فالحرية في الاسلام تكليف، وتكليف الإنسان هو ان لا يكون عبدا للخرافات الفكرية والاهواء النفسية.

 

وفي رواية عن أبي عبد الله عليه السلام يقول: إن الحر حر على جميع أحواله، إن نابته نائبة صبر لها، وإن تداكت عليه المصائب لم تكسره، وإن أسر  وقهر، واستبدل باليسر عسرا" [أصول الكافي، المجلد الثاني، باب الصبر، ح‏7].

وفي معرض تعليقه على هذه الرواية يشير الامام الخميني قدس سره إلى حقيقة أن هيمنة الشهوة هي مصدر لكل أسر؛ "ان الإنسان إذا أصبح مقهوراً لهيمنة الشهوة والميول النفسية، كان رقُّه وعبوديته وذلته بقدر مقهوريته لتلك السلطات الحاكمة عليه، ومعنى العبودية لشخص هو الخضوع التام له وإطاعته. والإنسان المطيع للشهوات المقهور للنفس الأمارة يكون عبداً منقاداً لها. وكلما توحي هذه السلطات بشيء أطاعها الإنسان في منتهى الخضوع، ويغدو عبداً خاضعاً ومطيعاً أمام تلك القوى الحاكمة، ويبلغ الأمر إلى مستوىً يفضّل طاعتها على طاعة خالق السماوات والأرض، وعبوديتها على عبودية ملك الملوك الحقيقي، وفي هذا الحال تزول عن نفسه العزة والكرامة والحرية ويحل محلّها الذل والهوان والعبودية، ويخضع لأهل الدنيا، وينحني قلبه أمامهما وأمام ذوي الجاه والحشمة، ويتحمل لأجل البلوغ إلى شهواته النفسية الذل والمنّة، ويستسيغ لأجل الترفيه عن البطن والفرج الهوان، ولا يتضايق من اقتراف ما فيه خلاف الشرف والفتوة والحرية عندما يكون أسيراً لهوى النفس والشهوة. وينقلب إلى أداة طيّعة أمام كل صالح وطالح، ويقبل امتنان كل وضيع عنده لمجرد احتمال نيل ما يبتغيه حتى إذا كان ذلك الشخص أحط وأتفه إنسان.

 

إن عبيد الدنيا وعبيد الرغبات الذاتية، والذين رسن عبودية الميول النفسية في رقابهم، يعبدون كل من يعلمون أن لديه الدنيا أو يحتملون أنه من ذوي الدنيا، ويخضعون له، وإذا تحدثوا عن التعفف وكبر النفس كان حديثهم تدليساً محضاً، وأن أعمالهم تكذّب أقوالهم وحديثهم عن عفة النفس ومناعتها. وهذا الأسر والرق من الأمور التي تجعل الإنسان دائماً في المذلّة والعذاب والنَصَب.

إذا أردت أيها الإنسان أن تقبل المنّة فلتكن من الغني المطلق وخالق السماوات والأرض، فإنك إذا وجهت وجهك إلى الذات المقدسة، وخشع في محضره قلبك تحرّرت من العالَمين ما سوى الله وخلعت من رقبتك طوق العبودية، (العبودية جوهرة كنهها الربوبية) [مصباح الشريعة، الباب المائة، في حقيقة العبودية]

ونتيجةً لعبودية الحق والانتباه إلى نقطة واحدة مركزية، وإفناء كل قوى وسلطات النفس وأهوائها في السلطة الإلهية المطلقة، تنجم حالة في القلب تقهر العوالم الأخرى ويستولي عليها، وتظهر للروح حالة من الشموخ والعظمة تأبى الطاعة إلا أمام الرب سبحانه وأمام من تكون طاعتهم طاعة ذات الحق المقدس، وإذا كان من جراء الظروف الطارئة محكوماً لأحد، لما تزلزل قلبه منه ولحافظ على حرية نفسه واستقلالها، كما كان الشأن في النبي يوسف ولقمان حيث لم تنعكس سلباً عبوديتهما الظاهرية على حرية وانطلاقة نفسيهما. كم من أصحاب القدرة والسلطة الظاهرية لم يستنشقوا نسمة حرية النفس الشخصية والاعتداد بها ويكونون أذلاء وعبيداً للنفس وأهوائها، ويتزلفون نحو المخلوق التافه؟ نقل عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام أنه قال في حديث (إنّي لآنّفُ أنْ أطْلُبَ الدُّنْيَا مِنْ خَالِقِهَا فَكَيْفَ مِنْ مَخْلُوقٍ مِثْلِي) [علل الشرائع، المجلد الأول، باب 165، العلة التي من أجلها سمي علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام]..  ولا تغفل عن إلهك، وحافظ على حريتك، وارفع أغلال العبودية والأسر عن رقبتك، وكن حراً في جميع حالاتك كما ورد في الحديث الشريف (إن الحر حر على جميع أحواله) [الكافي، ج‏2، ص‏89].

 

واعلم أن الغِنى غنى النفس وأن عدم الحاجة من حالات الروح، وغير مرتبطة بأمور خارجة عن الإنسان. وإنني رأيت أناساً من أهل الثراء والمال والجاه يتفوهون بكلمات يندي لها الجبين ولا يقولها المستجدي المتهتك. انه المسكين الذي ضُربت على روحه الذلة والمسكنة. إن شعب اليهود بالنسبة إلى عددهم يعدّون من أغنى الشعوب القاطنين على ظهر الأرض كافة ولكنهم يعيشون طيلة حياتهم في الشقاء والتعاسة والشدة والهوان، وتبدو على ملامحهم الحاجة والفقر والذل المسكنة، ولا يكون ذلك إلا من وراء الفقر النفسي والذل الروحي.

ورأينا في أصحاب الزهد وذوي الحياة البسيطة الدراوشة أشخاصاً قلوبهم مفعمة بالغنى والكفاف، ويلقون نظرة اللامبالاة على الدنيا وكل ما فيها، ولا يجدون أحداً أهلاً للاستنجاد به إلا الحق المقدس المتعالي... فلذلك مزّق سلاسل الشهوة والأهواء المتعرجة بعضها على بعض، وحطم أصفاد القلب، وأُخْرج من قيود الأسر، وكن حراً في هذا العالم، حتى تكون حراً في ذلك العالم. ولولا ذلك لوجدت الصورة الملكوتية لهذا الأسر حاضرة في ذلك العالم، واعلم بأنها مؤلمة جداً. إن أولياء الله رغم تحررهم التام من الأسر والرق، وبلوغهم الحرية المطلقة فإن قلوبهم كانت مضطربة وكانوا يجزعون وينحبون بدرجة تثير دهشة العقول.

 

أيها العزيز على الرغم من أن هذا العالم ليس بدار الجزاء والمكافأة وليس بمحل لظهور سلطة الحق المتعالي، وإنما هو سجن المؤمن، فلو تحررت من أسر النفس، وأصبحت عبداً للحق المتعالي، وجعلت القلب موحداً، وأجليت مرآة روحك من غبار النفاق والأثنينيّة، وأرسلت قلبك إلى النقطة المركزية للكمال المطلق، لشاهدت بعينك آثار ذلك في هذا العالم، ولتوسع قلبك بقدر يغدو محلاً لظهور السلطنة التامة الإلهية حيث تصير مساحتها أوسع من جميع العوالم(لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن) [غوالي اللئالي‏ء، المجلد الرابع، ص‏7] ولشعرت غنى واضحاً في النفس، حيث لم تعبأ بكل العوالم الغيبية والمادية، ولأصبحت إرادتك قوية، حيث لم تفكر في عالمي المُلك والملكوت، ولم تجد لهما اللياقة لاحتضانك" [الاربعون حديثاً، الحديث 17].

 

وكان يزيد بن معاوية مثالاً لا يجارى في استلاب الحقوق والحريات، فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام قوله: "إن يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحج، فبعث إلى رجل من قريش فأتاه، فقال له يزيد: أتقر لي أنك عبد لي، إن شئت بعتك وإن شئت استرقيتك، فقال له الرجل: والله يا يزيد! ما أنت بأكرم مني في قريش حسباً، ولا كان أبوك أفضل من أبي في الجاهلية والإسلام، وما أنت بأفضل مني في الدين ولا بخير مني، فكيف اقر لك بما سألت؟! فقال له يزيد: إن لم تقر لي والله قتلتك، فقال له الرجل: ليس قتلك إياي بأعظم من قتلك الحسين بن علي عليه السلام ابن رسول الله (ص)، فأمر به فقتل" [ميزان الحكمة، ج‏1، ص‏582.].

فما يقلق أمثال هؤلاء الحكام هو وجود الأحرار في المجتمع، ولذلك فهم يسعون لمصادرة الحريات على كافة المستويات لتسهيل مهمتهم في استعباد الناس، الا ان الله تعالى لم يجعل لهم هذا الامر، فالحر حر في جميع أحواله.

 

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2024/01/01   ||   القرّاء : 308


 
 

 

 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net