هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (2)
---> بيانات (42)
---> عاشوراء (28)
---> شهر رمضان (43)
---> الامام علي عليه (32)
---> علماء (7)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (13)
---> مقالات (64)
---> قرانيات (44)
---> أسرة (20)
---> فكر (72)
---> مفاهيم (88)
---> سيرة (59)
---> من التاريخ (13)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : من التاريخ .

              • الموضوع : لبنان صراع الغرب والشرق .

                    • رقم العدد : العدد التاسع عشر .

لبنان صراع الغرب والشرق

لبنان صراع الغرب والشرق


إعداد: الشيخ علي سليم سليم


   العقل البحثي ينبغي أن لا يقف عند حدود الميل العاطفي أو سواه.. ويجب أن يأخذ دوره ليتجاوز هذه العلائق والعوائق وإزالتها لتعبد الطريق من أجل الوصول إلى تاريخ خالٍ من هذه الشوائب ، خدمة للحقيقة الموضوعية المجردة عن أي من النوازع التي غالبا ما تعتري الكاتب والباحث ، فهل من اليسر وجود ذلك ؟
إذا كان الزعم بأن معرفة الماضي ضرورة حتمية لفهم الحاضر، فلا شك أن معرفة الحاضر معرفة حسنة.. ضرورة لفهم الماضي وإدراك معنى الأحداث التاريخية إدراكاً واعياً. 
وبالرغم من أن التاريخ لا يدون في سجلاته إلا أحداثاً وأفعالاً وليس نوايا، حسنة كانت أو سيئة، ذلك أنه سجل التأريخ يحوي كل ما قام به البشر، لكنه لا يحتوي على مدونات كل ما دار على مسرحه، ذلك لاعتبارات عديدة ومتنوعة أولها سياسية، تبعاً  لما يريد الحكام إظهاره أو طمسه وإخفائه أو تجاهله، أو تبعاً لرغبة من ميل أو هوى أو عصبية معينة؛ طائفية أو مذهبية.. لذلك تجد الكثيرين ممن كتبوا عن تاريخ بقعة جغرافية معينة، لا يتمكنون من وإخفاءه مشاعرهم أو يعملون على إسقاط رغباتهم وتمنياتهم عند تصوير أحداث ما يكتبون على أنها توصيفات لواقع معاش أو لأحداث وقعت، بما في ذلك وصف الحالات حتى النفسية والعاطفية منها، من دون الإتيان بدليل واحد من أثر يدل على ذلك.
المؤرخون والتاريخ:
  بدأت الكتابات التاريخية في القرن السابع عشر تتخذ منحى سياسياً فلم تعد في نظر بعض المؤرخين غايةً بحد ذاتها بل أصبحت منهجاً عملياً ووسيلة لتأكيد نظريات ومعتقدات سياسية. وقد بدأت عملية التدوين تسير في هذا المنحى العقائدي على أيدي المنظرين والمؤرخين الموارنة أمثال ابن القلاعي والبطريرك اسطفان الدويهي ويوسف مارون الدويهي وأنطونيوس أبي خطار العينطوري والمطران نقولا مراد وشيبان الخازن وطنوس الشدياق ويوسف كرم . غير أني لم أدرك السبب في إضفاء الدقة العلمية في كتابة التاريخ عند البطريرك اسطفان الدويهي -كما يصفه بعض  من استساغ مواقفه غير البعيدة عن السياسة-  بالرغم من كل ما شاب ما اعتمده من منهجية الاجتزاء والإغفال والتجهيل، وعلى حد وصف الأستاذ كمال الصليبي في تاريخه أن تلك الدقة أصبحت قدوة في القرن الثامن عشر لدى المؤرخين الموارنة.. هي دقة.. لكن لا يصح بأي حال إطلاق العلمية عليها.
ولن ندخل في عرض آراء هؤلاء المؤرخين ونقضها لجهة ما تضمنته من تشويه تاريخي وآراء ونظريات هي أقرب إلى النوازع العاطفية والأماني المكبوتة في وجدان فئة من رجال الدين الموارنة والمؤرخين الذين ساروا على النهج التاريخي ذاته. فقد اختصر المؤرخ الأستاذ كمال الصليبي هذا النهج بملامسة خجولة لكنها معبرة من حيث المغزى والمضمون عندما اعتبر"أن المؤرخين الموارنة الأوائل كتبوا تاريخ لبنان لا على سبيل الدراسة الموضوعية.
 كان المبشرون وما زالوا يسخّرون التاريخ وينسقون أخباره فيغالون فيها سلباً وإيجاباً، أو يتجاهلون بعضها ويؤولون البعض الآخر حسب الأغراض والخطط والمذاهب المختلفة، ومن هنا كثر التعقيد، وكثر الاضطراب والدس في تاريخنا وخصوصاً التاريخ اللبناني وشق على الباحث أن يمحص أخباره ورواياته، وأن يصل منها إلى صميم الواقع وأن يقنع المتعنتين بحقيقة ما التبس عليهم منه، وما أشبه حالنا اليوم بحال من سبقونا.
ويتميز القرن التاسع عشر بوفرة في عدد المؤرخين وبغزارة في إنتاج المصنفات والتأليف، كما يلاحظ انتماء جميع هؤلاء المؤرخون إلى المذاهب المسيحية إذ ليس فيهم أي مؤرخ مسلم. وإذا كان هذا الأمر لا غرابة فيه لناحية الطائفتين السنية والشيعية لضآلة عدد سكانهما في الجبل، فإن الغرابة تقع في محلها لجهة الدروز الذين تقاعسوا حتى عن كتابة تاريخهم تاركين لغيرهم كتابته وتدوينه. لذلك جاء تأريخ تلك الحقبة فئوياً معبراً عن أهداف وتطلعات الكنيسة المارونية كما جاء استمراراً لنهج المؤرخين الموارنة الذين تقدموا تلك الفترة، وقد دفع هذا الواقع بعضهم إلى إطلاق الدعوة إلى إعادة كتابة تاريخ جبل لبنان من جديد، لكن على ضوء أية أصول؟؟ فإذا كانت الأصول التاريخية هي نفسها فلا جدوى من ذلك لأن النتائج ستكون محكومة بالمعطى ذاته، إلا إذا كانت الكتابة الجديدة ستتم على ضوء أصول ووثائق محايدة وموضوعية وغير مشكوك فيها، وأنى لهم ذلك ما دامت المعطيات هي نفسها والمصدر هو ذاته.
  لا شك في أن فهم الحاضر واستشراف المستقبل والاستعداد لما هو آت من تحديات، له صلة وثيقة في الرجوع إلى الماضي وسبر أغواره، ويرتبط به ربطاً منطقياً يعتمد الباحث فيه عن الحقيقة على الاستنطاق والتحليل والاستنتاج من خلال جمع المعلومات الوافية والدقيقة وتكوين المعطيات مما كان يكتبه أو يصرح به على شكل مواقف معلنة وثقت في مصادرها. وهذا أمر ضروري للباحث من أجل الوقوف على المخططات التي كانت ترسمها القوى الكبرى، لكي يصبح بالإمكان معرفتها والإحاطة بخفايا الأمور واستيعاب مدلولاتها العميقة التي لها صلة مباشرة بما يجري اليوم على الساحة التي قيل عنها" ساحة حرب الغرباء" و"الحروب الخارجية التي يعاني منها لبنان" وكأنها لم تكن كذلك فيما مضى، من زمن الحروب الصليبية .. التي قيل إنها انتهت عندما دخل الجنرال اللنبي القدس سنة 1918 بعد أن كان أسلافه الصليبيون قد وصلوا إلى الشرق سنة 1095 م.   بمعنى الربط الوثيق بين تلك الحملات وبما كانت تحمل من مشاريع ،  وبين الحروب التي تلتها وأفضت إلى السيطرة على المنطقة كلها بدءا من مطلع القرن الماضي والى يومنا هذا .. 
  يقول غاردنر: لقد خاب الصليبيون في انتزاع بيت المقدس من أيدي المسلمين ليقيموا دولة مسيحية في قلب العالم الإسلامي.. والحروب الصليبية لم تكن لإنقاذ المدينة بقدر ما كانت لتدمير الإسلام.
لا بد من استخلاص الحقائق التاريخية وتنقيتها من الشوائب والأساطير التي روج أعداء الأمة الذين عملوا على تزوير التاريخ وتحويره بهدف إرساء مفاهيم سياسية مغلوطة تمهد الطريق أمامهم لتسخير الماضي والحاضر والمستقبل من أجل السيطرة وإحكام النفوذ على بلادنا ولو طال بهم الأمد قروناً من الزمن.
إننا لو علمنا تاريخنا، ووقفنا على وقائعه وأحداثه، من خلال البحث والدراسة واعتماد الوثائق وغير ذلك من وسائل المعرفة، إن ذلك سوف يسهم في تطوير وعينا السياسي وبلورة الرؤى والمفاهيم، يجعلنا نعي ما خطط لنا ماضياً وما يخطط في الحاضر والمستقبل، ولنكون جدياً في مستوى المسؤولية في مواجهة التحديات.
  في مقابل هذا الاعتراف الصريح نجد الدكتور قرم يحاول حرف المسار في المواقف المارونية الداعمة للحملات الصليبية بقوله: لقد ساعد الموارنة فرنسا باستنادها على الشرق، على إرساء استقلالها داخل أوروبا، وهنا يكمن المغزى الحقيقي لنظام الامتيازات، فالوجود المسيحي في الشرق العربي المسلم المتمثل خاصة في الوجود الماروني وفر لفرنسا مجساً في شرق البحر الأبيض المتوسط ومنحها إمكان إبرام كل أنواع الاتفاقيات والتبادلات معه دون أن تسيطر عليه! وفي جانب آخر يقول: فباعتراف المستشرقين أنفسهم أمثال مالفيزي ونورمان دانيال ، يعود الفضل إلى الموارنة في وضع حد للشتائم والأقوال المستهجنة التي كانت تتلفظ بها أوروبا بصدد الإسلام. فالوجود المسيحي الذي وجد في الطائفة المارونية حافزاً بدا وعراً أتاح لفرنسا في العصور الحديثة أن تدخل دار الإسلام من عتبة وعرة دون شك، لكنها آمنة. فاجتازها العلماء والشعراء وكذلك السفراء والمبشرون والتجار ثم لحق بهم الجنود، وكل ذلك يجب بحسب د. قرم أن يكون موضع ابتهاج الشرق العربي المسلم في الماضي كما في الحاضر.
   إنه كلام في غاية الغرابة والاستهجان أن تجد أناساً يستسهلون عرض حوادث كانت واضحة الأهداف والمرامي من أصحابها بطريقة فيها من الاستخفاف بالعقول ما يكفي. فهل الواجب الوطني يدعونا إلى استقبال الغزاة والتهليل لهم والحفاوة بهم من اجل ان نمكّنهم من تحقيق استقلالهم داخل بلادهم، ولماذا لا يتحقق ذلك إلا من خلال اجتياح بلادنا واحتلالها بالجيوش الجرارة!
   من نافل القول أن الدول قديماً وحديثاً لا تعمل إلا وفق المنطق الذي يضمن لها مصالحها، ولا تعطي شيئاً بلا مقابل، وتدخلها أو دعمها لطائفة دون أخرى يصب في هذا السياق، فما الذي دعا ملوك فرنسا على سبيل المثال إلى اعتبار الموارنة "جزءاً لا يتجزأ من الأمة الفرنسية" وهذا دليل واضح على الذين ينتقدون جعل لبنان ساحة صراع للآخرين ليس من الآن بل منذ قرون، وكأنه يكون مرحباً بالتدخل عندما يكون الأمر لصالح فريق دون آخر، حتى أن بعض الطوائف في لبنان تزج في ادعائها للانتساب أو الانتماء لفئة بشرية فقط لأجل شهرتها بالقوة وشدة البأس ولإثبات أقدميتها وتجذرها في هذه البقعة الجغرافية المعينة، يشير مؤرخ لبنان الشهير السفير السابق الراحل عادل إسماعيل الى فقدان وغياب كل علاقة نسب مباشر بين الموارنة والمردة والجراجمة، إذ إن هؤلاء هم قبائل سكنت جبال الأمانوس ثم استقرت في لبنان في خدمة الإمبراطورية البيزنطية لتكون لها جداراً منيعاً .
   فلا جدوى من تباهي الموارنة أو أن يدعوا أنهم ابتزوا الخلافة الأموية وأجبروها على دفع (الخوة) مرتين... في الحقيقة عندما اضطر الجراجمة إلى الرحيل إلى ما وراء موطنهم الأصلي، دمج أولئك الذين اختاروا الاستقرار في لبنان ضمن الطائفة المارونية، التي أثبتت في ما بعد نزعتها إلى التمرد والعصيان.. وفيما بعد وجدت الحملات الصليبية لدى الموارنة دليلاً وثيقاً وعوناً فعالاً على طول الشاطئ السوري، حتى قيل أنه اندرج في صفوف الحملة الأوربية أكثر من ثلاثين ألف محارب ماروني!! مع أن الأب لامنس اليسوعي يصرح أن الكتائب الرومية التي انتصر عليها خالد بن الوليد كانت أكثرها مؤلفة من جنود أجانب يحاربون مأجورين. فكان أهل البلاد ـ يقصد لبنان ـ يقفون وقفة المتفرج أمام تلك المعارك التي لم يكونوا ليروا في نتيجتها إلا إبدال سيد بسيد ودولة بدولة.
  الموارنة أنفسهم ذكروا الكثير عن تعاونهم ودعمهم للحملات الصليبية عسكرياً وسياسياً يقول وليد فارس: وقد ساهم مسيحيو لبنان وسوريا، والموارنة خاصة بدعم الحملات الصليبية.. وكانت للمسيحيين الشرقيين فرصة في أن يجددوا الاتصال الروحي والحضاري مع أخوانهم الغربيين بعد انقطاع دام قروناً جراء الحصار العربي الذي فرض على جبال الأمة اللبنانية المسيحية.. معتبراً أن هذا الارتماء المزعوم في حضن الغرب ليس إلا تضامناً مسيحياً بين شعوب الحضارة الواحدة تماماً كتضامن الشعوب الإسلامية.
وقال يوسف السودا في كتابه "لبنان الحضاري" أن الموارنة لبوا نداء الصليبيين وقدموا لهم خدمات جلّى.
ويقول الخوري جرجس زغيب أن النصارى وضعوا تحت تصرف الصليبيين قواتهم ومصيرهم وأرواحهم واجتاحوا معهم المسافة الشاقة التي كانت تفصل بين جبال لبنان والقدس.
وتشير مجلة المسيرة أن الموارنة استقبلوا الصليبيين بالتهليل والترحاب إذ رأوا فيهم الحليف والصديق والمناصر.
 ويذكر فيليب حتي أنه في البترون جرى أول اتصال بين الصليبيين والموارنة ـ وهم شعب قوي الشكيمة ومحاربون شجعان ـ الذين أمدوا الصليبيين بأدلاّء كانوا في أمس الحاجة إليهم.. وقد بدأت العلاقة الودية بين الموارنة والصليبيين في عهد مبكر. كان ذلك لما قدموا للحملة الصليبية الأولى أدلاء يرشدونهم إلى الطرق والمعابر.. وأرسلوا فرقة من النشابة المتطوعة إلى مملكة بيت المقدس.. وكان أول صديق فرنسي لهم لويس التاسع الذي حمل رسالة مؤرخة عام 1250 فيها تصريح بأن فرنسا تتعهد لهم بحمايتهم وأنهم جزء من الأمة الأفرنسية وكانوا يحتلون في الممالك التي شيدها الأفرنج المرتبة الأولى بعد الأفرنج، ويقدمون على جميع الطوائف المسيحية، وكانوا يتمتعون بالحقوق والامتيازات التي كانت تتمتع بها البرجوازية اللاتينية، بما في ذلك حق ملكية الأرض في مملكة بيت المقدس.
وعندما ترك الصليبيون الشرق هاجر جزء من الطائفة المارونية إلى قبرص، تعرض ما بقي منهم لمعاملة قاسية عقاباً لهم من جانب المماليك، لكن هذه المعاملة تبدو أقل حدة مما تكبده المسلمون المنشقون سواء تواطأوا أم لا مع الأفرنج حيث خضعت طوائف الشيعة والدروز والنصيريين لعملية عسكرية كادت تتحول إلى إبادة جماعية لولا بسالة هذه الطوائف وشجاعتها، فبموجب الفتوى الشهيرة التي  لابن تيمية ، انطلقت حملة عسكرية على كسروان التي كان معظم سكانها من المتاولة (شيعة لبنان) وقامت بمذبحة قل نظيرها، سهلت في ما بعد إقامة التجمعات الرهبانية والزراعية والتربوية المارونية.
عن أهداف الحروب الصليبية يتحدث د. حتي فيقول: وما لا شك فيه أن بعضاً منهم كانت تحدوهم حوافز دينية، ولكن أكثرهم كانوا يضمرون أموراً دنيوية، وكذلك قوادهم فإن بعضهم كان يأمل في الحصول على أمارة أو ملك، وكان بينهم جماعة من التجار .. ولا ننسى أن نذكر جماعة المجرمين والأشقياء والخطاة الذين كانوا يطلبون المغفرة عن طريق الحج إلى الأرض المقدسة.. وكان هناك شبان يشعرون بشيء من النقمة وعدم الرضا في الحياة، فكان حمل شارة الصليب عندهم نوعاً من العزاء .. ونحن إذا نظرنا إلى الحروب الصليبية نظرة شاملة بعيدة، نجد أنها تتمة لسلسة من الصراع الطويل الأمد بين الشرق والغرب الذي بدأ بالحروب التي وقعت بين داريوس الفارسي والأغريق واستمرت بين البيزنطيين والمسلمين وظلت إلى يومنا هذا.
 تكفي هذه الإطلالة التاريخية لتسهيل الرابط بين ما كان يجري في القرون الماضية وبين ما يجري اليوم ، لنرى انه ليس جديدا كون هذه البقعة مدخلا للشرق، ساحة صراع وحقل تجارب وتجاذب ومفاوضات.
 المشكلة الأم :
  منذ أن تبلورت فكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين ، كان لبنان بعامة وجنوبه بخاصة، في صلب الاهتمامات للحركة الصهيونية العالمية، التي سعت إلى تفتيت وتقسيم لبنان.. وقضم ما يسهل قضمه بالتعاون والتنسيق مع (الانتدابين) البريطاني والفرنسي.. وعلى هذا الأساس بدأ العمل من أجل إقامة دولة مارونية بجوار الدولة اليهودية، بعد طرد المسلمين الشيعة من الجنوب وشراء الأراضي عبر السماسرة في شركات عديدة لصالح الوكالة اليهودية تحت عناوين كثيرة ومتنوعة الوسائل بالإغراءات المالية وحين ذاك تبينت أهداف تلك الشركات وسرعان ما تصدى لها كبار علماء جبل عامل للوقوف بوجه عمليات البيع عبر إصدار الفتاوى المحرمة لذلك.
وكان البطريرك أنطون عريضة سنة 1934 أشار في رسالة بعث بها إلى عمدة الجمعيات الأثني عشرية اليهودية في الأرجنتين:
"إننا مستعدون لمؤازرتكم مع ضعفنا ، في كل ما يؤل لخير أمتكم ونجاحها سالكين بذلك خط الأنجيل المقدس وطريقة سلفائنا البطاركة"
وفي سنة 1935 أرسل البطريرك الماروني أثنين من رجال الكنيسة إلى فلسطين واجتمعا بحاييم وايزمن، وتم الاتفاق بين الطرفين للعمل على تحويل لبنان إلى وطن قومي مسيحي، مقابل أن تكون فلسطين وطناً قومياً لليهود.
وكان الرئيس بشارة الخوري المتحمس لعلاقة حميمة مع اليهود يرى في العام 1941 أن هناك حاجزاً بين الطرفين يجب إزالته وهو جبل عامل، وضرورة تفريغه من الشيعة الذين يشكلون خطراً على بلدينا، لأنه سبق لهم أن تعاونوا مع عصابات مفتي فلسطين لتهريب السلاح، وشاركوا معه في الثورة ضد الصهاينة والانتداب البريطاني، وأعتقد أن تفريغ جبل عامل وتوطين الموارنة اللبنانيين المهاجرين إلى أمريكا بعد انتهاء الحرب، هو الحل الأمثل. واقترح البطريرك عريضة اقتراض مبلغ مالي كبير من اليهود لشراء الأراضي، بهذه الطريقة يصبح الموارنة جيراناً لليهود ـ والتعبير الذي سمعناه مؤخراً من البطريرك صفير عن جيران لبنان، له جذوره التاريخية ـ ويصبح التعاون سهلاً ودون مضايقات، وسيقف الموارنة واليهود صفاً واحداً أمام الزحف الإسلامي في الشرق.     
ومن هنا يظهر لنا حقيقة المقولة التي ما يزال يرددها البعض اليوم: أن تاريخ المارونية هو تاريخ كل لبنان.. هذا الوطن الذي تحالف مع المارونية منذ نشأتها ليظهر للملأ كيف يكون الصمود.
في القرن الخامس عشر بدا الموارنة في نظر روما نموذجاً نادراً بين مسيحيي الشرق متعلقاً بالبابوية، خاضعاً لإرشاداتها مع استعداد تام لتغيير ما تشير به طقوس واعتقادات وتقبل توجيهاتها بكل حماس واندفاع فتوالى قدوم القصاد والرسل إلى جبل لبنان مزودين بالهدايا والإرشادات ليعودوا حاملين عرائض الولاء ومناشدات الاهتمام.
في سنة 1450 عين البابا الراهب الفرنسيسكاني غريفون مفوضاً رسولياً لدى الموارنة، فأمضى بينهم ربع قرن من الزمن قبل أن يخلفه زميله داريوست.
وقبل أن يصبح لبنان إقليماً عثمانياً بسنوات قليلة قال البابا ليون العاشر في سنة 1510 كلمته المشهورة عن الموارنة إنهم "سوسنة بين الأشواك" إن هذه الوردة وما تمثله من قيم النقاء والخير والجمال غرست في وسط غابة من الشوك الحافل بالشر والقبح والأذى، لم يرسخ هذا التعبير الرمزي في الوجدان الأوروبي وحده فيما بعد، بل تعدى ذلك حتى أصبح تقليداً مارونياً محلياً طالما استعمل ببراعة، بتوجهات رهبانية وقنصلية متمرسة من أجل استدرار المزيد من الرعاية الأوربية بكل ما تزخر به من تقديمات اقتصادية وثقافية وسياسية دفعت بالمارونية قدماً نحو المزيد من التمايز عن محيطها، وهيأت لها بعد ذلك القاعدة الصلبة والمنطلق الصالح لتحقيق  تطلعاتها القومية وطموحاتها السياسية.
في بدايات القرن الثامن عشر تحول هذا الشعار البابوي البراق إلى ممارسة سياسية اعتمدتها الدبلوماسية الفرنسية، وأحلتها في رأس اهتماماتها الشرقية.
إن "الأمة المارونية" كما أشارت رسالة قنصلية سنة 1713 موجهة إلى  أعيان الموارنة في كسروان "ستنشأ أجمل وردة في الشرق ليس بالنسبة للسلطات الرسولية فقط بل أيضاً لفرنسا الامبراطورية". أما "ولاية الفقيه" فتلك قضية مختلفة، فهي ارتباط بالخارج ،وتبعية له ،وتنسف السيادة..! تلك  التي يتمسك بها أصحابها حتى انقطاع النفس والموت!
كانت البابوية قد نجحت في إحكام قبضتها على الكنيسة المارونية عندما أنشأت سنة 1584 المدرسة المارونية في روما بهدف تعميق الروابط الثقافية بين روما والموارنة، وممارسة مزيد من الولاء عن طريق تخريج الكهنة ورجال الدين الموالين لها دينياً وثقافياً وسياسياً، وقد عمل خريجو المدرسة المارونية في روما عند عودتهم على نشر المدارس والتبشير الديني في جبل لبنان خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. كما تولى بعضهم مناصب كبيرة فتوصل إلى سدة البطريركية المارونية أمثال جرجس عميرة واسطفان الدويهي وسمعان عواد ويوسف التيان وغيرهم.. واستمرت مدرسة روما نحو 193 سنة وخرجت نحو 400 من أبناء الطائفة المارونية، وقد قام هؤلاء بدورهم في ترقية الكنيسة المارونية ورفع المستوى التعليمي للموارنة.. حتى أن هنري غيز يعتبر أن المسيحيين مدينون بثقافتهم وعلومهم إلى مخالطة الأوروبيين.. وباتوا ذوي ثقافة عالية بالنسبة لمحيطهم، ويظهرون في العلوم تفوقاً ملموساً خولهم تولي مراكز إدارية ومالية وسياسية عالية.
التبشير مظهر من مظاهر الصراع الأوروبي في الشرق:
تعود جذور الحركة التبشيرية إلى الفترة التي أعقبت نهاية الحروب الصليبية حيث رأت أوروبا أنها لن تتمكن من الشرق الإسلامي، ومن السيطرة على الأماكن المقدسة في فلسطين إلا بتنصير السكان، وكان ريموند لل وفرنسيس الأسيس ووليم الطرابلسي من دعاة هذه الفكرة، وبدأت بالتوافد إلى الشرق الإرساليات الكاثوليكية الكرملية، والفرنسيسكانية والدومينكانية، ثم أعقبها إرساليات الجزويت والقديس يوسف والفرير، وانتشرت الرهبنة الفرنسية في جبل لبنان منذ القرن السابع عشر، وقد رحب الموارنة بها.
واتبعت الإرساليات والمؤسسات التبشيرية الدينية في تحقيق غايتها مختلف الأساليب للتأثير على السكان وتنسيبهم مذهبياً وسياسياً مستغلين حاجتهم الصحية والتعليمية والحياتية، وكان شعارها "افتح مدرسة تقفل مسجداً " وكان ذلك جزءاً من عمل سياسي كبير يمكن استجلاء محاوره على امتداد الصراع الفرنسي في مواجهة النفوذ البريطاني المتزايد في بلاد الشام وفي أجزاء متعددة من أراضي السلطنة العثمانية وبلاد الهند وأفريقيا، وضعت خططه في عواصم بعض الدول الأوروبية وشاركت فيه أيضاً روسيا والفاتيكان ولاحقاً الولايات المتحدة.
وكانت الغاية منه تحقيق أهداف استعمارية سياسية واقتصادية، ولم تكن الحركة التعليمية لأسباب تثقيفية مجردة، بل كانت جزءاً من أهداف أوروبية مقدمة لقيام غزو ثقافي يشكل امتداداً لأهدافها السياسية، فكان التعليم والتطبيب مدخلاً إلى المجتمعات المشرقية ذات النفوس العطشى والبيوت المعوزة لبث الأفكار وقلب المفاهيم وتغيير القيم، لذلك كانت الحركة التبشيرية وسيلة وليست غاية، كذلك كان التعليم والتطبيب جزءاً من عمل سياسي كبير لم يقتصر على تلقين مبادئ القراءة والكتابة، بل تخطى الأمر إلى تعليم الحضارات الغربية ومحبة الدول الأوروبية الراعية للشؤون الدينية بكل طائفة، وقد أفضى ذلك إلى نتائج سلبية وساهم في تجذير الانقسامات وتعدد الانتماءات والولاءات الثقافية والسياسية والاجتماعية وضياع الشخصية الوطنية للسكان جراء تجذير حالة اللا انتماء التي لا نزال نعيش فيها حتى وقتنا الحاضر.
لماذا لبنان؟ الوظيفة.. والدور:
ما من ريب أن الأنظمة في نشأتها وتشكيلها تختلف إلى حد ما بين قطر وآخر، وهناك أكثر من شكل للحكم وأكثر من طبيعة، وإن تشابهت أشكال الحكم في الأقطار ذات التاريخ المشترك، ولدراسة الأنظمة السياسية، وفهم طبيعتها في بلد معين تفترض العودة إلى الأصول التاريخية والأسباب الموضوعية والمكونات الاجتماعية والوقائع التاريخية التي تركت علاماتها، والتي كونت التراث السياسي والتجمع السياسي لهذا البلد، وهي بدورها تجعل لهذا البلد حضوره وأهميته على الساحة الدولية والإقليمية.
ولمعرفة تشكل النظام السياسي اللبناني فلا بد من العودة إلى بعض المراحل التاريخية التي مرت بها المنطقة، وما لحق ذلك من تبلور خصائص الأمة مروراً بالعهود المتتالية وما كان فيها من ازدهار، وما تلاها من ركود وانحطاط في بعض المحطات، وما جاء بعدها من انتداب واستقلال، وما جرى في هذه المرحلة من أحداث تبلورت فيها شكل التركيبة اللبنانية بعد تصادم أطراف هذه التركيبة وتأثيراتها وتأثرها بالمحيط العربي والدولي.
وليس الهدف هنا قراءة سرد تاريخي، يروي التطور التاريخي للبنان السياسي منذ العهد الفينيقي مروراً بكل العهود التي حكمت لبنان والجوار، والذي عرف تاريخياً بأرض كنعان، ثم في فينقيا ثم بلاد الشام. إنما الهدف هو الوقوف على التطورات البارزة، والمفاصل المؤثرة والخصائص الرئيسية في نشأة وتكوين تراث لبنان السياسي والاجتماعي في الأجيال المتعاقبة وما لها من علاقة بالحاضر ومعرفة التداعيات، وما أثر في تركيبة المجتمع السياسي القائم.
فالموقع الجغرافي للبنان على البحر المتوسط يشكل ممراً وبوابة بين الشرق والغرب.. وتواجده على الحدود الشمالية لأرض فلسطين المنوي اعطاؤها للصهاينة لإقامة دولتهم عليها أعطى أهمية استراتيجية لضرورة وحاجة عالمية لقيام الكيان اللبناني الحالي.
فنشأة الكيان اللبناني لم تكن وليدة الصدفة أو بعيدة عن الخطط والمشاريع الاستعمارية الناتجة عن ضعف الرجل المريض أو الأمبراطورية العثمانية المنهارة، بل كانت النشأة تكاملاً مع مشروع سايكس ـ بيكو للمنطقة وحاجة ملحة لتنفيذ وعد بلفور بإقامة دولة صهيونية على فلسطين وجوارها، فكيان خليط من الطوائف والمذاهب يكون كياناً هشاً موالياً للغرب بامتيازات مسيحية مكافأة لهم على تاريخ من التعاون، يكون على حساب الباقين من التشكل الاجتماعي والطائفي يمنح المشروع الاستعماري امكانية تحقق مشروعه. لبنان بحد ذاته وسيلة وليس غاية بالمعنى أن الذي سمح بمبررية كيانه هو هدف ووظيفة .. لذلك ليس من المسموح إقامة دولة بالمعنى المتعارف عليه والموجود في بقية الدول الحديثة، فلا يسمح لا بالاستقرار ولا بالانهيار، وهذان خاضعان لتجاذبات مصالح الدول فيما بينها على أرض لبنان، فالولايات المتحدة لا تريد من لبنان شيئاً وتريد من خلاله كل شيء، بمعنى ابقاؤه على نحو اللااستقرار واللاانهيار فيكون جسراً للعبور لتنفيذ الشرق الأوسط الكبير.
يقول الصحافي البريطاني المعروف ديفيد هيرست في أحدث كتبه: احذروا الدول الصغيرة ـ لبنان ساحة معارك الشرق الأوسط.
يعتبر هيرست لبنان، بصفته خلطة من الطوائف الدينية وفروعها، مع نظام دستوري وسياسي مناسب لها، "دولة طائفية من الدرجة الأولى".
ثم يضيف أن "لبنان في ما يبدو، صمم تقريباً ليكون ساحة المعارك الأبدية لصراعات الآخرين السياسية والإيديولوجية، الصراعات التي تتصاعد أحياناً إلى حروب لها بالوكالة، وهؤلاء الآخرون هم بالدرجة الأولى، طبعاً، الدول الأكبر في المنطقة، ولكنهم أيضاً أميركا وأوروبا وروسيا أو أي دولة كبيرة فعلية أو طامحة تبدي اهتماماً بشؤون المنطقة ـ ولعله يقصد إيران وتركيا ـ وقد أبدت الدول الكبرى دوماً اهتماماً بالمنطقة بسبب أهميتها، سياسياً وتاريخياً كمركز للسياسات الدولية، في الأزمنة الأحدث، ممكن لاحتياطات نفط ضخمة هي شريان الحياة للعالم العصري، وموقع أطول وأصعب وأخطر صراع فيها، هو الصراع بين العرب واليهود، وإذا كان الشرق الأوسط يتدخل بحكم العادة في شؤون لبنان، فإن العالم الخارجي يفعل ذلك بحكم العادة بالنسبة إلى شؤون الشرق الأوسط.
ويعتبر هيرست أن لبنان كان جزءاً أو مساهماً في كل التجارب التاريخية في الشرق الأوسط المعاصر، كالانتقال من الحكم العثماني التركي إلى السيطرة الاستعمارية الأوروبية، إلى ظهور وسيطرة فكرة القومية العربية والاستقلال وما بعده والناصرية وعدائها للاستعمار، والآن جزءاً من صعود الإسلام الأصولي البارز، وما يشكله من خطر على مصالح تلك الدول ويختم بالإشارة إلى حزب الله والقوى المقاومة المناوئة لإسرائيل، مبدياً ازدراءه أو تهكمه من أطروحات تلك القوى.
لقد تم إنشاء الكيان الطائفي اللبناني، الذي سماه الجنرال غورو يوم إعلانه في أول أيلول 1920 "لبنان الكبير" على قاعدة توسيع "متصرفية جبل لبنان" السابقة لتضم الاقضية الاربعة: بيروت، الجنوب، البقاع، والشمال، التي كانت تميل إلى الانضمام إلى سوريا، وليس صحيحاً أن لبنان لم يدخل كتب التاريخ، لقد دخلها من باب صغير، منذ القرن التاسع عشر على الأقل (لأن لا شيء كان أسمه لبنان بالرغم من عيش مجموعة من الفئات والشعوب المتقاتلة على أرض ما يعرف اليوم بلبنان كما يقول فيليب حتي في تاريخه عن قطعة أرض تأبى أن تصبح وطنياً) لاحظت الدول الكبرى أن شعوباً في جبل لبنان تهوى وتحترف وتتقن التناحر والصراعات.
وقد قامت "دولة لبنان الكبير"، ومن ثم "الجمهورية اللبنانية"، على أثر "الميثاق الوطني" غير المكتوب و"الاستقلال" في 1943 بناء على تفاهمات طائفية تاريخية:
_ تفاهم أول بين الموارنة والدروز في الجبل، لم يكن بالإمكان بدونه توسيع "المتصرفية اللبنانية" السابقة.
_ وتفاهم ثاني، بين الموارنة والسنة، الذي بدونه لم يكن بالإمكان توحيد الجبل مع الأقضية الأربعة.
وهذه التفاهمات أنتجت قيام الكيان بامتيازات مارونية كجسر أساسي للعلاقة الاقتصادية والثقافية والسياسية مع الغرب، واضطلاع السنة بدور مركزي ورئيسي بتأمين ضمانة ضم الأقضية الأربعة للكيان اللبناني ودور يشكل جسراً للعلاقة التقليدية مع سوريا والمحيط العربي، فيما بقي الشيعة مهمشين رغم الوزن العددي من خلال الإقطاع السياسي الذي أدى إلى تفاقم حالة "الغبن والحرمان" كما شكلت هذه التفاهمات توازن وسطي في موقع لبنان من الصراع العربي الإسرائيلي حيث إنه بعد مشاركته في حرب 1948 وتوقيع الهدنة لم يدخل لبنان أي حرب في الصراع العربي الإسرائيلي وبقي نائياً بنفسه عن الصراع.
فمنذ الاستقلال استقرت التركيبة القائمة وأن كانت متنازعة في آن ومتساكنة في آن آخر تبعاً لصراع المحاور العربية والصراع مع إسرائيل، إلا أنها اصطدمت بانقسام حاد أدى إلى انقلاب كياني في هذه التركيبة الهشة بسبب تفاقم الحرمان والغبن بين أطراف التركيبة وبالأخص الشيعة منها وسكان الأقضية النائية من الطائفة السنية من جهة، وتطور العمل الفلسطيني المقاوم على الأراضي اللبنانية من جهة أخرى.
وقد تمظهر الانقسام الحاد في الحرب الأهلية اللبنانية التي اشتعلت عام 1975 ، وتم الاستنجاد بما كان يسمى قوات الردع العربية والتي كان الجيش السوري يمثل قوامها، حتى باتت هذه القوات هي القوة الوحيدة وأدى ذلك إلى نشوء ما صار يسميه البعض "الوصاية السورية".
واجتياح إسرائيل واحتلالها لأكثر من ثلثي الأراضي اللبنانية للقضاء على المقاومة الفلسطينية والقوى الوطنية وطرد الجيش السوري إلى البقاع، أدى إلى اختلال في التركيبة لصالح القوى المسيحية، التي لم تستطع الصمود بقوتها أمام المقاومة التي فرضت بتضحياتها الانسحاب الإسرائيلي من أكثر المساحة التي احتلت وحل محلها صراع داخلي دفع اللبنانيون فيه ثمناً باهظاً.
 المعادلات الجديدة :
 وحصل فيما بعد انتهاء الحرب الاهلية تقدم مميز للقوة الشيعية_ التي صارت جزءا من المعادلة الداخلية بعد أن كانت على هامش الحياة السياسية وحتى الاجتماعية- سواء على مستوى النفوذ داخل السلطة نتيجة انحسار الإقطاع السياسي الشيعي أو على مستوى المقاومة التي انحصرت في "حزب الله" الذي ترسخ على أرض الواقع كقوة مقاومة عسكرية ـ سياسية ـ اجتماعية ـ ثقافية، بالاستناد إلى عوامل ذاتية وإقليمية مساعدة.
  مضافا الى التنامي القوي لنفوذ ومكانة الطائفة السنية في التركيبة الكيانية الطائفية التي تقوم عليها الدولة اللبنانية على حساب الصلاحيات الملكية لرئيس الجمهورية الماروني . ولم يغير المستوى المطلوب للشيعة ولم ينصفوا رغم أنهم دائما يدفعون الفواتير الباهظة عن الوطن كله ، وان دخلوا المعادلة السياسية ولم يعودوا كماً غير ذي وزن.
وكان الانتصار الكبير عام 2000 واستمرار عمل المقاومة حتى تحرير الأسرى ومزارع شبعا وتلال كفر شوبا، إلى أن حصل الزلزال الكبير بإزاحة الرئيس الحريري بطريقة عنيفة وبتفجير وحشي، أراد مرتكبوه أخذ لبنان للالتحاق بالفوضى المقررة للمنطقة في الإستراتيجية الأميركية بعد غزو العراق، وإصدار القرارات الدولية المتتالية والتي أقل ما يمكن أن يقال فيها أنها مشاريع اصطدام بين مكونات الكيان اللبناني، بهدف إنهاء المقاومة وسلاحها وضم لبنان إلى محور معادي للعروبة  ومسالم لإسرائيل وداعم للسياسة الأميركية في المنطقة.
ومع تفويت فرصة التصادم الداخلي طلب من إسرائيل بقرار أميركي ومباركة عربية وتآمر أطراف داخلية لبنانية لتقوم بسحق المقاومة وبنيتها ومجتمعها فبدأت الهجمة الإسرائيلية عملية تدمير للبنية المجتمعية والتنظيمية والعسكرية للطائفة الشيعية، والذي جعلها تحتشد لمواجهة الغزو بشكل بنيوي متماسك مع حلفائها في لبنان من قوى وطنية ومعارضة احتشد فيها أجزاء من جميع الطوائف اللبنانية وكان أبرزها التحول في الشارع المسيحي الذي كان اختبار أول لتفاهم حزب الله والتيار الوطني الحر، وبالتالي خرجت المقاومة منتصرة على إسرائيل، وأصبحت قوة ضخمة ذات مستوى إقليمي قادرة على مواجهة إسرائيل ذاتها وقوة داخل الاجتماع اللبناني لا يمكن التهاون بها.
الكيان الصهيوني في الصراع:
يعتبر إنشاء الكيان الصهيوني الغاصب على أرض فلسطين من أبرز مظاهر الصراع بين الغرب والشرق، وتمثل "إسرائيل" اليوم جوهر هذا الصراع وخط الدفاع الأول فيه، باعتبار إن إسرائيل هي جزء أساسي من الغرب، وضياعها ضياع للغرب. وليس غريبا علينا الموقف الأوروبي الداعم لها منذ التأسيس، والمؤجج  لهذا الصراع بمختلف الأساليب والتدخلات العسكرية والاستخباراتية ضماناً لمصالحهم القائمة على نهب ثروات ومقدرات بلادنا.
مؤخراً دعا رئيس الحكومة الإسبانية السابق "أزنار" إلى دعم إسرائيل محذراً من أن إنهيارها سيقود إلى انهيار الغرب، معتبراً أن الدولة العبرية أفضل حليف للغرب في منطقة الشرق الأوسط، مضيفاً أن إسرائيل هي خط دفاعنا الأول في منطقة مضطربة تواجه باستمرار خطر الإنزلاق إلى الفوضى ـ وكل ما يقوض نفوذهم أو يمس بصالحهم يسمونه بالفوضى ـ ومنطقة حيوية لأمن الطاقة لدينا بسبب الاعتماد المفرط على النفط في الشرق الأوسط، والمنطقة التي تشكل خط الجبهة في الحرب ضد التطرف، فإن سقطت فسنسقط معها. وما يربطنا هو تأييدنا الذي لا يلين لحق إسرائيل في الوجود والدفاع عن نفسها، مؤكداً على أن فقدانها يعني ضياعنا.
صحيح أنه ليس هو الموقف الجديد تجاه إسرائيل من قبل الغرب الذي جاء بها إلينا، وقد سبق لوعد بلفور في مطلع القرن الماضي الموقف الحاسم في ذلك، وعد بإنشاء وطن قومي لليهود بفلسطين وتوأمة ذلك، بشروط إذا ما توفرت ظروفها الموضوعية، إنشاء كيان ماروني يمثل الأمة اللبنانية، بإرتباط عضوي بالغرب يمثل المصالح المشتركة بينهما، وبالوظيفة التي أرادها الفرنسيون آنذاك، أن يبقى لبنان قلعة حصينة أو سداً منيعاً في مواجهة الرياح الصحراوية التي قد تثور بين فترة وأخرى مهددة مسار المشاريع الصليبية.
وقد صور البعض مشهدية الصراع هذا بصراع القومية العربية الإسلامية، والقومية اللبنانية المسيحية، القائم منذ قرون على مدى الأجيال. حتى أن  بطرس ضو كان يعتبر عصر المردة الذين اندمجوا بالموارنة ، العصر الذهبي الأمثل في تاريخ حروب الموارنة مع المسلمين في سبيل "كيان لبناني مستقل أبدي واحد" وبنهاية المطاف انشأوا وطناً حراً مستقلاً سيداً لهم، ولا زالت أحلام البعض يشدها الحنين إلى تلك الحقبات الماضية وهو ما يتبدى في المواقف الاستفزازية ذات النبرة الانقسامية الحادة  الصادرة من مقامات دينية طائفية فئوية. ما يكفي للدلالة على أننا لا نزال نعيش بعقلية القرون الماضية! والتي لم تستوعب بعد فكرة ان زمن ما كانوا يسمونه هم بالانتداب ، قد ولى إلى غير رجعة   والمارونية السياسية ، أمست من الماضي وكان الأجدر بها ان تضطلع بالدور الذي يدعو الى المحبة ونشر الوئام والتضامن الوطني.
أما الآن فلا يزال الرهان قائماً على الخارج والاستقواء به من فرقاء عدة بالرغم من زعم التوافق على أن هذا الوطن الصغير وطن نهائي لكل أبنائه بمعنى عدم الاستئثار واختزال الحكم والسلطة.. والسؤال ألا يستولد هذا الرهان على قوة الخارج والإبقاء على لبنان الساحة صراع لا ينتهي؟!

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2011/01/14   ||   القرّاء : 1401


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 العدد السادس والعشرون

 الجمهورية اللبنانية والإطار الوظيفي..(1)

  وقفات مع آيات سورة البقرة (2)

  خاتم الأولياء في عرف أهل الحقيقة

  زادك إلى الآخرة

  القرآن الكريم في الدراسة الاستشراقية

 وقفات مع الزيارة الجامعة

  بقية الله

 كلمات محورية وردت في القرآن _ الإسلام

 الخطيب والفصاحة

 

مواضيع عشوائية :



 مفتٍ إلكتروني يصدر الفتاوى؟!

 هيئة علماء بيروت تشجب الاعتداء الآثم والمسيء على النبي الأكرم (ص)

 كلام عن إصابة العين

 المواد النجسة والمحرّمة في الدواء والغذاء

 العبيد والأحرار

 هيئة علماء بيروت تستنكر المجازر الجماعية بحق البحرينيين العزل

 مراتب الإمامة

 الشباب بين ظلمة الإنحراف

 كيف نتعاطى مع عاشوراء

 كلمات وردت في القرآن الكريم: الضلال

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 19

  • عدد المواضيع : 532

  • التصفحات : 1093777

  • التاريخ : 24/10/2014 - 11:30

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net