هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (4)
---> بيانات (85)
---> عاشوراء (84)
---> شهر رمضان (87)
---> الامام علي عليه (41)
---> علماء (17)
---> نشاطات (7)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (14)
---> مقالات (135)
---> قرانيات (61)
---> أسرة (20)
---> فكر (103)
---> مفاهيم (145)
---> سيرة (75)
---> من التاريخ (21)
---> استراحة المجلة (0)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (2)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)
---> العدد الواحد والثلاثون (9)
---> العدد الثاني والثلاثون (11)
---> العدد الثالث والثلاثون (11)
---> العد الرابع والثلاثون (10)
---> العدد الخامس والثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : من التاريخ .

              • الموضوع : أبو ذر وجبل عامل والذاكرة الشعبية .

                    • رقم العدد : العدد الخامس والثلاثون .

أبو ذر وجبل عامل والذاكرة الشعبية

أبو ذر وجبل عامل والذاكرة الشعبية

الشيخ علي أمين شحيمي

إن الحديث عن إقامة أبي ذر الغفاري في جبل عامل ونسبة التشيع إليه فيه من الصعوبة بمكان ولا يمكن إثبات ذلك بدليل واضح وجلي، إنما سوف يكون ذلك عبر استنطاق التاريخ وإظهار مكنوناته وما حاول الحاكمون إخفاءه

في الحلقة السابقة تحدثنا عن إقامة أبي ذر في بلاد الشام، وإنها كانت إقامة طويلة نسبياً تقارب العشرين عاماً ولم تتحدث المصادر التاريخية عن حياته ومكان إقامته بالتفصيل بل بعض الإشارات وما صرحت به من أماكن تعد على أصابع اليد الواحدة.

التاريخ تاريخان

إن التاريخ الإنساني لكافة الشعوب والأمم ينقسم إلى قسمين:

  1. قسم يعتمد على السرد والنقل الشفوي عبر الأجيال.
  2. وقسم يعتمد على التدوين قد كتبه المؤرخين بطلب من الحكام أو طمعاً في جائزة الحاكم ونادراً ما نجد تاريخ قد دون خارج هاذين الدافعين من أجل الحقيقة فقط وكتابة الحقيقة في تلك الأزمنة شبه مستحيلة لأن ما يكتب للحقيقة فلن يرى النور لأسباب عدة منها سماح الحاكم بذلك لأن فيه تبيان مظالمه ومنها الخوف لأن الكاتب نفسه لن يتجرأ على نشره لأن ذلك سيؤدي إلى موته.

ومن المعروف أن كل الأنظمة والحكومات التي حكمت باسم الإسلام هي حكومات استبدادية دموية إلا ما شذّ وندر لذا لا يمكن لنا أن نثق بهكذا تواريخ كتبت لتمجد الحاكم وتلعن عدوه خاصة في المسائل المهمة والخلافية.

وعلى العكس من ذلك التاريخ الشفوي والنقلي للأمم والمجتمعات فإنه أصدق من التاريخ المدوّن، لأن لا سلطة للحاكم عليه فلا يمكن لتلك الحكومات أن تحرّف أو تمحو ذاكرة شعب أو مجتمع ما بل على العكس من ذلك تماماً نجد أنه كلما حاولت السلطة تزييف الحقائق تمسك الناس بها أكثر. ومن أبرز الأمثلة على تلك الذاكرة والتاريخ الشفوي القضية الفلسطينية فنرى العالم بأجمعه يحاول تغيير وتحريف تاريخ فلسطين, وبالمقابل نجد الشعب الفلسطيني ومن يؤمن بهذه القضية يكتب تاريخاً مشرقاً من ذاكرة المجتمع والناس بل حتى من ذاكرة المكان. نعم فالأماكن لها ذاكرة قوية لأن الأحداث والوقائع إنما حدثت في مكانً ما وحسب أهمية الحدث يرتبط بالمكان ولا يمكن أن يمحى هذا الارتباط مهما مر الزمن عليه.

 نعم قد تخفى بعض التفاصيل أو كلها ولكن يبقى الارتباط فيما بينها قائماً لا يمكن محوه.

يقول علي موسى طالب دكتوراه في العلوم الاجتماعية ومدرس الدراسات الثقافية والفلسفة في جامعة بير زيت في حوار مع سليمان أبو أرشيد:

لم تقتصر النكبة على احتلال الوطن وتشريد الشعب الفلسطيني فقط بل امتدت إلى تدمير ثقافته وإرثه الحضاري حيث دمر أو فقد أو نهب معظم الإرث الثقافي والقانوني المكتوب للشعب الفلسطيني

لاحظ في القرن العشرين ومع سلطة الاعلام وعدم خفاء كثير من الأمور ومع ادعاءات الدول بالرقي والحضارة اندثر تاريخ شعب هذا ما يفعله المحتل والغاصب ومن هو على باطل بل ما يفعله كل حاكم بمن يناوئه فإنه يحاول أن يمحو ذكره ووجوده أيضاً.

  • وهذا ما حدث أيضاً في جبل عامل حيث انتصر الجزار بعد النهضة العلمية الكبرى لجبل عامل على يد الشهيد الأول وشبه الاستقلال وتأسيس كيان خاص بجبل عامل فإن الجزار بعد انتصاره العسكري بدأ أولاً يجمع الكتب من جبل عامل ونقلها إلى عكا وجعلها وقوداً لأفرانها سبعة أيام متتالية ثم ثناها بملاحقة العلماء وشردهم في أصقاع الأرض ولكن بلاد فارس كانت لهم الحاضن فكانت النهضة العلمية لهم
  • إذاً المحتل دائماً يحاول أن يمحو ذاكرة وتاريخ الشعب الذي يحتله هذا هو ديدن الظالمين والحكام لمن يناوئوهم.

 يقول الشيخ جعفر المهاجر ذلك أن سيرة أصحاب المقامات والمشاهد والملابسات التي أحاطت بسيرتهم وحياتهم وخصوصياتهم كثير ما تكون غامضة جداً إما لأنها تقع خارج التاريخ الرسمي وخارج اهتماماته وخارج مناهجه, وإما بسبب المسح المتعمد على كل ما يتصل بأخبارهم من قبل السلطة وأجهزتها والمتعاونين معها([1]).

ولكن أن حرقت الكتب وهجرت العلماء بقيت ذاكرة الناس والمكان وحيث ذهبت في جبل عامل تجد كبار السن يحدثونك عن أصل التشيع في بلادهم إنه الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري (رض)، وأرض عاملة تقول لك مر من هنا من ساحل الصرفند إلى أعالي الجبل في ميس الجبل حيث داست أقدامه تلك الأرض الطاهرة وشيد له مقامان تخليداً له ولما ترك من غرس طيب.

يقول علي موسى ما أحاول عمله هو تجميع ذاكرات فردية هي المشكل للذاكرة الجماعية لأن الذاكرة الجماعية تتشكل من ذاكرات الأفراد.

 وفي جبل عامل أينما حللت وعند حديثك عن تاريخ هذا الجبل تجد كل فرد يحدثك عن أبي ذر وعن التشيع أن التشيع هو هويته منذ دخول الإسلام إليه

 

 

المنظمة العالمية:

إن اليونسكو المنظمة العالمية قد سجلت واعترفت بتراث شفهي لا مادي للإنسانية لأنه لا يمكن لها أن تنكر ثقافة وتاريخ أمة ما لأن أحد المتزلفين إلى حاكم ما لم يسجله على ورقة أو حجر ما.

من هذه الموضوعات المسجلة على سبيل المثال من الأردن الحيز الثقافي لبدو البتراء وواي رم سلطنة عمان البرعة العراق المقام العراقي مصر ملحمة السيرة الهلالية

يقول على موسى إن المؤرخ هيرودوث (484 ـ 425 ق.م) اعتمد على شهادات شفوية وشهود لكتابه تاريخ الحروب الميديّة

وكذلك ثوسيديد طور منهج التاريخ بالاعتماد على الرواية الشفوية في مقدمة كتابه حول الحروب البيلوبنيز إذن الذاكرة الشفوية هي من أهم المصادر التي يعتمد عليها للتاريخ ولا يمكن تجاوزها أو الاستغناء عنها أبداً لان هذا يؤدي إلى خلل واقعي حقيقي في قراءة التاريخ مما يولد صورة مشوهة لحقبة ما أو لمجتمع من المجتمعات

يقول زهير سوكاح في مقالة له بعنوان مفهوم الذاكرة الجمعية عند موريس هالبواكس([2]) يعتبر هالبواكس الذاكرة المشتركة لجماعة بشرية معينة شرطاً لا محيد عنه لوجود هذه الجماعة نفسها حيث إن هذه الجماعة البشرية تأسست هويتها عبر فعل التذكر

أيضاً يقول الشيخ جعفر المهاجر الكاتب والمؤرخ المعروف بكتاباته وأبحاثه في كتيّب له بعنوان (السيدة سكينة بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام) نشر لجنة أعمار مقام السيدة سكينة بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام 1998 الجمهور عادة أكثر براءة وأسلم طوية بما لا يقاس من المؤرخ المحترف فهذا خصوصاً إذا كان ملتزماً جانب شخص أو جهة قد يحور أو يزيف إرضاء لهواه أو لهوى غيره وأهون أمانة أن يشيح بوجهه عن حدث أو شخص مهما كان محله فلا يعرض له بخير أو شر لاحد السببين المشار إليه أعلاه ومن هنا قيل إن التاريخ وقف على الأقوياء أما الجمهور فإنه يعطي مما يجد دون زيادة أو نقصان. (انتهى كلامه ص 18)

وهذا ما وجده جمهور جبل عامل عبر تاريخه أن أبا ذر رضوان الله عليه هو من زرع بذرة التشيع فيه وأنه ينسب إليه وأن عدم ذكر التاريخ الأموي لهذا لا ينفيه بل على العكس  من ذلك لا بد أن يكون سبباً لقوته لأن العدو قطعاً سوف يغفل ذكره أعدائه ولن يذكرهم إلا بما لا يستطع إخفاءه ومما يدل على هذا الأمر ما حدث مع عبد الملك بن مروان حينما جاءه ابنه سليمان بكتاب أبان بن عثمان يؤرخ فيه للمدينة المنورة فأمر بإحراقه لأن أبان يمدح أهل المدينة وقد خشي عبد الملك أن يطلع أهل الشام على الكتاب فيعرفون فضائل أهل المدينة حيث قال بوضوح أنه ليس بحاجة إلى كتاب يعرّف أهل الشام أموراً لا نريد أن يعرفوها.([3])

إذا لاحظنا هذا النص يزداد اليقين أن السلطة الأموية قد تعمدت إخفاء ذكر أبي ذر ومنعت الكتاب من التعرض إليه بخير, ولكن رغم كل ذلك بقي تاريخه محفوظاً في ذاكرة ووجدان شعب بكامله.

يقول الشيخ المهاجر: إن يكن التاريخ المكتوب ما كان منه رسمياً وما كان منه خاصاً قد سكت حتى عن مجرد ذكر سكينة فإن النقولات الشفوية الشعبية تفتح لنا كوّه في هذا العتم المطبق حتى يقول وهذا دليل آخر على أن الجمهور أكثر أمانة على الاجزاء التي تمس وجدانه من التاريخ وأسلم قصداً في حمله وأخصب حين يجدب غيره .

(السيدة سكينة بنت أمير المؤمنين(ع) ص 29)

وأهل جبل عامل كانوا من أهل الأمانة فحملوها واعتزوا بها عبر سنينهم  الخصبة والعجفاء وجسدوا الصدق في انتمائهم وولائهم لأهل البيت عليهم السلام ولم ينسوا الفضل لمن عرفهم ذلك. بل نسبوا أنفسهم إليه وزرعوا ذلك في عقول وأرواح أولادهم حتى وقتنا هذا

لقد استطاع أبو ذر أن يغرس هذه البذرة خلال عشرين عاماً قضاها في بلاد الشام فكانت بلاد عامله هي أخصب هذه البلدان وأكثرها عطاءً وإثماراً.

وجود التشيع في بلاد الشام

في زمن أمير المؤمنين علي(ع) كان للشيعة تواجد في بلاد الشام أي في عهد معاوية وفي عز مجده وقوته وعدائه للإمام علي(ع) كان الشيعة موجودين بالفعل في عمق بلاد الشام يدل على ذلك رواية الفتاة التي جاء بها والدها من الشام إلى الكوفة كي يحكم بقضية كبر بطنها وأنهم من قرية تسمى أسعار في جبل الثلج([4]) أهلها كلهم من الشيعة

يقول محمد كرد علي في كتابه خطط الشام أن هذه القرية خربة الآن في جبل الشيخ بين مجدل شمس وجباتا الزيت ويوجد نهر يعرف بنهر أسعار([5])

من الذي نقل التشيع إلى هذه القرية من الذي زرع حب علي(ع) في قلوب أهلها حتى قطعوا تلك المسافات كي يحكم علي في هذه القضية ولم يرضوا بأي قاضمن قضاة بلاد الشام  ومن أين لبلادً يحكمها العدو اللدود لعلي (ع) الذي كان يقتل كل من يشتم منه رائحة الموافقة لعلي(ع) وأن تكون قوية عامرة كل سكانها من الموالين لعلي(ع) لا يمكن أن يأتي ذلك فجأة وبين ليلة وضحاها بل لا بد أن يكون نتيجة عمل مستمر أو دؤوب وهذا يتناسب مع ابي ذر وسنوات وجوده في الشام

يقول محمد كرد علي في خططه في صفحة 246 الشيعة في دمشق يرجع عهدهم إلى القرن الأول للهجرة ويقول أن أصل هذا التشيع هو من جبل عامل يقول وهم من مهاجرة جبل عامل.

لاحظ هذه العبارة وتمعن بها ففي القرن الأول كانت دمشق عاصمة الأمويين وخاصة معاوية التي كانت مساجده تلعن علياً(ع) كان للشيعة لهم فيها وجود ملحوظ ولذلك سجلهم التاريخ غصباً عنه وأن أصلهم من أين من وأنهم الذين هاجروا من جبل عامل إلى دمشق وهذه عادة الأطراف أهلها يلجأون إلى مركز الحكم لأنه مصدر العلم والتجارة وغير ذلك.

والذي يدل على أن أبا ذر لم يكن مستقراً في مكانً محدد في الشام بل كان يتنقل من بلدً إلى بلد ومن مدينة إلى أخرى زارعاً حب علي (ع) حينما حل , ورسائل معاوية المتعددة التي يطلب فيها من عثمان أن يسترجع فيها أبا ذر أن كان يريد المحافظة على بلاد الشام ولم يقل دمشق أو مدينة بعينها بل بلاد الشام فإذن كان نشاط أبي ذر شاملاً لكل هذه البقعة من الأرض فلو كان في مدينة دمشق فقط لإمكان احتواؤه خاصة مع عدم وجود وسائل التواصل السريعة والفعالة في ذلك الزمن بحيث يمكن اخفاء ذكره بسهولة يقول معاوية في أحدى رسائله لعثمان أن الشام ليست لي بأرض ما دام أبو ذر فيها.( البدء والتاريخ ج 5 ص 98 ) وذكر الواقدي في تاريخه، عن سعيد بن عطاء، عن أبي مروان الأسلمي، عن أبيه، عن جده، قال: لما صد الناس عن الحج في سنة ثلاثين أظهر أبو ذر بالشام عيب عثمان، فجعل كلما دخل المسجد أو خرج شتم عثمان، وذكر منه خصالا كلها قبيحة، فكتب معاوية بن أبي سفيان إلى عثمان كتابا يذكر له ما يصنع أبو ذر(1 تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص267).مع التحفظ على أن ابا ذر يشتم وقطعا هي زيادة من الرواي

يقول في مروج الذهب (إن أبا ذر تجتمع إليه الجموع ولا آمن أن يفسدهم عليك)

وفي رسالة أخرى (وأفسد عليك الشام)

حتى عمال وجواسيس معاوية انتبهوا لهذا الأمر فهذا حبيب بن مسلمة الفهري يقول لمعاوية (إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام فتدارك أهله إن كان لك فيه حاجة) شرح النهج ج 8 ص 257

إقرأ معي هاتين الرسالتين وتمعن بهما جيداً فإن فيهما الكثير من المعاني والدلائل على الرغم من صغرهما.

يقول معاوية في أحدهما كما ينقل مروج الذهب أنه كتب إلى عثمان: إن أبا ذر تجتمع إليه الجموع ولا آمن أن يفسدهم عليك.

وفي الرسالة الثانية يقول له: إن أبا ذر قد حرف قلوب أهل الشام وبغضك إليهم فلا يستفتون غيره ولا يقضي بينهم إلا هو.

يقول ابن بطال: كان في جيش معاوية ميل إلى أبي ذر.

ويؤيد ذلك ما قلناه في الحلقة الماضية حول يزيد بن أبي سفيان واستيلائه على الجارية وردها من قبل أبي ذر

هل أن مجرد وجود أبي ذر في الشام جعل أهل الشام يحبونه لأنه من خاصة صحابة رسول الله صلى الله عليه واله ؟ قطعا هذا غير صحيح بل على العكس هو سبب للبغض لانه من الجهة المعادية لحاكم تلك البلاد معاوية كما وان ابا ذر كان معروفا بشدته في الحق وانه لا يساوم عليه اذن مجرد الوجود في مكانا لا يجعل للمرء اهمية ما ولا يحفظ مكانا له في التاريخ ويدل على ذلك ان أبا الدرداء الذي اقام في بلاد الشام وخاصة في قرية الصرفند وعرفت ذريته بالصرفندي وأن سلمان عندما جاء مرابطاً إلى بيروت سأل عنه فقالوا إنه في الصرفند لا أثر له في قلوب الناس أين بقية الصحابة أكثرهم لم يبق لهم ذكر

 هنا يفرض السؤال نفسه هل كان أبو ذر يدعو لعلي(ع) نستطيع بكل جزم وحسم أن نقول نعم كان يفعل ذلك ومع أنه لم يصلنا شيء مما كان يقوله ولكن نجزم بذلك لما كان يقوله في المدينة وتحت نظر الخليفة مباشرة من دون خوف أو مواربة حينما كان والجميع لا يفعل ذلك.

يروي في كتاب وفيات الأئمة صفحة ١٩: بينما عبد الله بن عباس، جالس على شفير زمزم يقول:

قال رسول الله (ص)، إذ أقبل رجل معتم بعمامة، فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت، فكشف العمامة عن وجهه فقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا جندب بن جنادة البدري، أنا أبو ذر الغفاري. سمعت رسول الله بهاتين وإلا صمتا، ورأيته بهاتين وإلا عميتا، وهو يقول علي قائد البررة وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، أما إني صليت مع رسول الله يوما من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا، فرفع السائل يده إلى السماء وقال:

اللهم إني سألت في مسجد نبيك ورسولك محمد فلم يعطني أحد شيئا، وكان على راكعا، فأومى بخنصره الأيمن وكان يتختم فيها، فأقبل السائل فأخذ الخاتم من خنصره وذلك بعين رسول الله (ص). فلما فرغ من صلاته، رفع النبي رأسه إلى السماء وقال: إن موسى بن عمران سألك وقال: (رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري وأحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري) فأنزلت قرآنا ناطقا (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) اللهم وأنا محمد عبدك، ورسولك، وصفيك، اللهم فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، وأجعل لي وزيرا من أهلي علي أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري، قال: فما استتم رسول الله الكلمة حتى نزل جبرائيل من عند الله تعالى فقال: يا محمد اقرأ (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون).

وفي رواية الشافعي وابن المغازلي بطريقه إلى ابن عباس: قال رسول الله: الحمد لله الذي جعلها في وفي أهل بيتي، ثم أكمل الحجة وأكدها ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حيي عن بينة، فقال تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - في علي - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) فأقام رسول الله (ص) في غدير خم عليا علما للناس.

بمثل هذا الكلام وهذه الروحية والحب والولاء كان ابو ذر رضوان الله عليه يتكلم عن أمير المؤمنين  عليه السلام وينشر فضائله هذا في المدينة وتحت نظر الخليفة مباشرة فكيف الحال في بلاد الشام وفي قراها

إنني أكيد بانه كان يبذل كل جهدها في إظهار أحقية أمير المؤمنين ومظلوميته مما غرس الحب والولاء له في قلوب المؤمنين

 

هذا النشاط والتفاعل والاخلاص هو من جعل أبا ذر يستحوذ على قلوب وعقول أغلب أهل الشام مما جعل معاوية يستشعر الخطر الداهم فعمد إلى أبعاده عن الشام كلها.

وقام بحملة لأعادة الناس إلى ما يريد من قيم ومفاهيم ولكن أهل جبل عامل لم يرضخوا واستمروا في ولائهم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع).

 

أقوال بعض  العلماء في هذه المسألة

يقول الحاج حسين الشاكري في كتابه الأعلام من الصحابة والتابعين - ج ٤ - الصفحة ٥٩

ومما لا شك فيه إن أساس التشيع في " جبل عامل " يعود لجهاد وجهود الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري على رغم ضغوط السلطات الحاكمة على مر الزمان مما توارثه أهل هذا الجبل عن الآباء والأجداد، والثابت أن تشيعهم لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) كان على يده وبفضله، عندما كان مقيما بينهم.

قال الشيخ محمد حسين المظفر في كتابه تاريخ الشيعة ص 153

كان بدء التشيع في جبل عامل بفضل دعوة المجاهد في الله  ابي ذر الغفاري رضي الله عنه ثم اخذ يسير وينتشر في الجبل شأنه شأن كل بلدركز لواءه فيه

 

قال السيد الأمين في أعيان الشيعة: ومن المشهور أن تشيع جبل عامل كان على يد أبي ذر، وأنه لما نفي إلى الشام، وكان يقول في دمشق ما يقول، أخرجه معاوية إلى قرى الشام، فجعل ينشر فيها فضائل أهل البيت (عليهم السلام) فتشيع أهل تلك الجبال على يده، فلما علم معاوية، أعاده إلى دمشق، ثم نفي إلى المدينة " أعيان الشيعة ج ٤ ص ٢٢٥.

 

 

 

[1] السيدة سكينة بنت أمير المؤمنين(ع) ص 17

[2] موريس هالبواكس فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي ووضع دراسات علمية في عشرينيات القرن الماضي حول الذاكرة الجميعة

[3] إحراق الكتب النار التي تحمي العقيدة خالد الفالي موضع ارفع صوتك

[4] يراجع كتاب قضاء علي(ع) السيد الأمين

[5] ج 6 ص 245 نسخة الكترونية

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2020/04/23   ||   القرّاء : 137


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 

 الدجال حقيقة أم أكذوبة وخيال

 أبو ذر وجبل عامل والذاكرة الشعبية

 كلمات وردت في القرآن الكريم : ف ت ن  واشتقاقاتها   

 جذور الفساد في لبنان: إطلالة تاريخية لبنان مصرف أُلحِقَ به مشروع دولة!

 حوار لمجلة اللقاء مع سماحة نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم حفظه المولى

 الفطرة والدين وأصول الكمال في نص الشاه آبادي

 صناعة الفتنة

 في مواجهة الفتن

 في رحاب الزيارة الجامعة     معرفة أهل البيت عليهم السلام .... مهبط الوحي

 

مواضيع عشوائية :



 أصالة الطبيعة في البحث الفلسفي الاسلامي

  السنة النبوية والتنصيص علي إمامة علي

 الإنفعالات النفسية عند المراهق

  حكمة بالغة للإمام زين العابدين (ع)

  الصحيفة والجامعة والجفر

 لقاء علمائي استنكارا لاعدام الشيخ نمر باقر النمر

 المحكم والمتشابه في القران الكريم

  التاريخية منهجاً للتفسير

 وقفات وتأملات في سورة الحجرات (2)

 كلام في الكبائر و الصغائر و تكفير السيئات‏

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 21

  • عدد المواضيع : 905

  • التصفحات : 3979196

  • التاريخ : 28/05/2020 - 05:19

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net