الافتتاحية : الاخلاد الى الارض
الافتتاحية : الاخلاد الى الارض
رئيس التحرير
كلما تقدم بنا الزمان كلما ازدادت التحديات التي تواجه البشرية ومن اخطرها تلك التي لها مساس بالقيم والمبادئ .
واذا كان الخروج عن الفطرة في القرون الخالية سمة لافراد او اقوام وجماعات محددة فانه بات امرا عابرا للقارات ويفرض بقوة القانون على الشعوب والملل , فاننا نشهد اليوم غزواً على مستوى القيم والاخلاق والعلاقات الاجتماعية , نشهد غزَوا بالمِثْلِيَّةِ الجِنسيَّة ، والشُّذُوذِ الجِنسِّي وتشويهاً لمبدأ الحرية الى حد التفلّت من كل ضابطة اخلاقية او دينية او عقلية او عرفية فلا قداسة لشيء ولا احترام لمبادئ او قيم دينية او انسانية.
هو زمَنٍ قد كثُرتْ فيه الإباحِيةُ، وتنوَّعَت قنواتُها ومواقعُها ووسائلُها ، وبلغَ التهاونُ في التَّهتُّكِ والتَّفسُّخِ في بابِ الأعراضِ مبلغًا كبيرًا إلى حَضِيضِ الحيَوانيَّة.
انها الجاهلية الحديثة في استعادة مطوّرة تسافلياً للجاهلية الاولى حيث ينتشر الانحراف الجنسي والشذوذ انتشارا ذريعا بعد أن استشرى الانحلال الأخلاقي والعقائدي فيه.
وينطبق على اهل هذا الزمان ذلك المثل الذي ضربه الله في رجل عاصر النّبي موسى عليه السلام وبلغ أمره أن دعاءه كان مستجابا لدى الباري جل وعلا، فانتكس فجعل علمه جهلا واخلد الى الارض وَاتَّبَعَ هَواهُ فمال الى فرعون وإغراءاته فانحرف عن الصواب، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ اتجه بكل كيانه إلى هذا اللهاث في أحاسيس الشهوة، وإيحاءات الطمع والنزوة.
وهكذا هو حال عالمنا انغمس في القيم المادية حيث تتجمّع كل أنانيّة النفس الأمّارة بالسوء، وشهوات الجسد , فهو ابدا يهوي إلى الحضيض، وينقله هواه من قمة الفطرة والايمان وآفاق الروح في رحاب اللَّه والالتزام بحد معقول من القيم إلى أعماق هوّة الغرائز والشهوات والنزوات والأطماع المتفلتة من اي ضوابط من دين او عقل .
في الجاهلية الحديثة تُسنّ في مقابل تشريعات الاسلام الموافقة للفطرة والتي تسمو بالانسان الى سماء الفضيلة وفضاء الروح وتلبي حاجات الجسد والروح بعيدا عن السفالة والانحطاط الاخلاقي كتشريع الاحكام الاجتماعية ومنها الزواج والتي تجعل الأسرة سليمة، والمجتمع سليماً.
في مقابل تلك التشريعات تُسنّ تشريعات في دول او عبر منظمات دولية تحاول ليس فقط تشريع حرية الانحراف والشذوذ بل فرض ما يخرج بالانسان من حد الانسانية الى حد البهيمية, وتتوالى الدعوات إلى الحرية المطلقة التي لا حدود لها، ولا ضوابط ولا قيود، والتي لا تفرق بين حرية الفكر وبين حرية الكفر، ولا تفرق بين حرية الحقوق وبين حرية الفسوق، ولا بين الحرية الإنسانية والحرية الحيوانية فأصبحت البشرية في فوضى لا ضابط لها ولا رادع.
وتعد اتفاقية سيداو التي أصبحت سارية المفعول في 1981م من أخطر الاتفاقيات الدولية على الاطلاق وتتعلق بشؤون الأسرة والحياة الاجتماعية وهي تتكوّن من 30 مادة وتوصي باتخاذ تدابير خاصة مؤقتة للتعجيل بتحقيق المساواة الحقيقية بين الرجل والمرأة، وباتخاذ خطوات تستهدف تعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية التي تؤدي إلى إدامة هذا التمييز.
وغالبية كبيرة من مواد الاتفاقية تعتبر مخالفة لقيم الشريعة الإسلامية، فهي تحاول فرض الرؤية العلمانية على العالم في المجال الاجتماعي تحت عبارات ومصطلحات براقة مثل: رفض التمييز، رفع الظلم . وتحتوي على مواد تؤدي إلى تغيير جذري في المجتمع كإلغاء دور الأم وتحديد صلاحيات الأب والمطالبة بالمساواة المطلقة، والمطالبة برفض أحكام الشريعة في الزواج كإعطاء المرأة مهراً، وجعل الطلاق بيد الرجل، ووضع عدة للمرأة، وترفض قوامة الرجل على زوجته، وترفض موافقة الولي على زواج وليته، وتمنع الزواج تحت سن 18 سنة وتعتبره عنفاً ضدها، لكنها تشرّع وتشجّع العلاقات الجنسية المحرمة كالزنا والشذوذ لمن هم تحت سن 18 وغير ذلك من امور خطيرة. وفي الخلاصة فان الاتفاقية تريد أن يعيش الناس بطريقة منحلّة عن الدين والأخلاق.
ومن باب التمثّل بالحديث إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما، ويأخذان منك فخذ منهما
فان اعداء الدين والانسان والقيم يحاولون طمس كل ما هو فطري وسويّ يكدّون السعي في نشر رذائلهم وقيمهم المنحطة بوسائل التثقيف والاعلام كذا ينبغي على أهل الاسلام نشر الفضائل والترويج لما يحافظ على نقاء الفطرة والعلاقات الاجتماعية السوية واحياء المناسبات بل اختلاق ايام او اسبوع للتأكيد على قيم محددة لها دورها في الحفاظ على المجتمعات وهذا ما يتم العمل عليه فعليا كيوم الجريح ويوم الشهيد ويوم القدس واسبوع الوحدة الاسلامية واسبوع الاسرة في الاول من شهر ذي الحجة حيث نلتقي بذكرى زواج أمير المؤمنين بفاطمة الزهراء(ع) .
هي مناسبات وايام يُتوخّى منها تفعيل هذه القيم في مجتمعاتنا وبيان عظيم عوائدها على المجتمعات وفي الحياة والتمسك بها وتحصينها والتحصّن بها بل والترويج لها في غير بلادنا فان هناك كثيرين من يسوؤهم هذا الانحدار الاخلاقي والقيمي فليتحّد اصحاب القيم والمتمسكين بالمبادئ والفضائل الدينية والفطرية والانسانية في مواجهة هذه المخاطر والله المستعان.